ميرنا صابر – خاص الافضل نيوز
يدخل لبنان مرحلة مفصلية في مسار إصلاحه المالي، مع اقتراب إقرار قانون إعادة هيكلة المصارف وقانون معالجة الفجوة الماليّة، وهما الملفان اللذان يشكلان حجر الأساس في أي اتفاق محتمل مع صندوق النقد الدولي، كما أنهما يحددان مستقبل القطاع المصرفي وحقوق مئات آلاف المودعين الذين ينتظرون منذ سنوات أي أفق واضح لاستعادة أموالهم.
ورغم أن المفاوضات مع صندوق النقد لا تزال مستمرة، إلا أن الأيام الأخيرة كشفت عن تباينات لافتة بين الحكومة اللبنانية والصندوق حول بعض التعديلات التي أُدخلت على مشروع قانون إعادة هيكلة المصارف، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول مدى قدرة لبنان على التوفيق بين متطلبات الإصلاح الدولية والحفاظ على استقلالية مؤسساته المالية. وتشير مصادر اقتصادية مطلعة لـ"الأفضل نيوز" إلى أنّ: "الخلاف لا يتعلق بجوهر عملية إعادة الهيكلة بقدر ما يرتبط بتحديد صلاحيات الهيئة المصرفية العليا وعلاقتها بمصرف لبنان، إذ تعتبر الدولة أن أي صيغة قد تؤدي إلى تضارب في الصلاحيات أو إلى المس باستقلالية المصرف المركزي قد تنعكس سلباً على إدارة السياسة النقدية مستقبلاً، فيما يتمسك صندوق النقد بمعايير موحدة يطبقها في برامج الإصلاح المختلفة".
ويرى خبراء اقتصاديون أن نجاح لبنان في الوصول إلى صيغة توافقية سيشكل رسالة إيجابية للأسواق المالية، خصوصاً أن أي اتفاق مع صندوق النقد يبقى مدخلاً أساسياً لاستعادة ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية، لكنه لا يمثل وحده الحل الكامل للأزمة التي تراكمت على مدى سنوات. وفي موازاة ذلك، يبرز قانون معالجة الفجوة المالية باعتباره الملف الأكثر حساسية، نظراً إلى ارتباطه المباشر بمصير الودائع. فالتقديرات المتداولة تشير إلى أن إعادة الودائع التي تقل قيمتها عن ١٠٠ ألف دولار تحتاج إلى عشرات مليارات الدولارات، بعدما أُخذت في الاعتبار المبالغ التي سددت سابقاً للمودعين عبر التعاميم الصادرة عن مصرف لبنان.
وتؤكد أوساط مالية لـ"الأفضل نيوز" أنّ: "الاتجاه السائد يميل إلى اعتماد السداد التدريجي بدلاً من الدفع خلال فترة زمنيّة قصيرة، وذلك لتجنب أي ضغوط إضافية على المالية العامة أو على سعر صرف الليرة، في وقت لا تزال فيه موارد الدولة محدودة، رغم التحسن النسبي في الإيرادات الضريبيّة خلال الأشهر الماضية".
أما بالنسبة إلى الودائع الأكبر حجماً، فتتمحور النقاشات حول إصدار أدوات مالية طويلة الأجل، مدعومة بضمانات سيادية أو بأصول تملكها الدولة، وهو ما أعاد إلى الواجهة ملف احتياطي الذهب اللبناني، الذي يُعد من أكبر الاحتياطيات في المنطقة. ويؤكد متخصصون في الأسواق المالية أن استخدام الذهب لا يعني بالضرورة بيعه أو التصرف به، بل يمكن إدراجه ضمن هيكلية ضمانات تعزز ثقة المستثمرين وحاملي السندات، كما تفعل دول عدة عند إصدار أدوات دين سيادية، إلا أن هذا الطرح لا يزال يثير انقساماً سياسياً وشعبياً، في ظل اعتبار الذهب أحد آخر الأصول الاستراتيجية للدولة.
وفي المقابل، يرى اقتصاديون أن أي خطة لاستعادة الودائع لن تكون قابلة للتنفيذ إذا اقتصر تمويلها على مصرف لبنان والقطاع المصرفي، إذ تتحمل الدولة جزءاً أساسياً من المسؤولية نتيجة تراكم العجوزات المالية وتمويل الإنفاق العام على مدى سنوات، ما يجعل مساهمتها في الحل أمراً لا يمكن تجاوزه.
وتشير بيانات مالية إلى أن السيولة المتوافرة حالياً داخل القطاع لا تكفي لإعادة جميع الودائع دفعة واحدة، الأمر الذي يفرض اعتماد خطة تمتد لسنوات، تترافق مع إصلاحات مالية وهيكلية تعيد تنشيط الاقتصاد وتزيد إيرادات الدولة عبر تحسين الجباية، وتفعيل الشراكة مع القطاع الخاص، والاستفادة من الأصول غير المستثمرة. وفي الوقت نفسه، يواجه القطاع المصرفي تحدياً وجودياً، إذ إن أي خطة لا تراعي الحفاظ على عدد كافٍ من المصارف القادرة على العمل قد تنعكس سلباً على الاقتصاد، باعتبار أن المصارف تبقى الجهة الأساسية لتمويل الشركات والأفراد واستقطاب الرساميل، في حين أن المؤسسات المالية الناشئة لا تزال عاجزة عن أداء هذا الدور بصورة كاملة.
ويؤكد مراقبون أن إعادة هيكلة القطاع لا تعني إلغاء دوره، بل إعادة بنائه على أسس أكثر صلابة، مع تعزيز الحوكمة والشفافية ورفع مستويات الرسملة، بما يسمح باستعادة الثقة تدريجياً وعودة النشاط الائتماني الذي يشكل محركاً أساسياً للنمو. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الحكومة أمام اختبار اقتصادي وسياسي في آن واحد، فهي مطالبة بإقرار تشريعات إصلاحية تحظى بقبول دولي، من دون التفريط بصلاحيات المؤسسات اللبنانية أو تحميل المودعين الكلفة الأكبر للأزمة.
ويبقى نجاح هذه المسيرة مرتبطاً بقدرة الدولة على اتخاذ قرارات جريئة، ووضع خطة مالية واقعية توزع المسؤوليات بين الدولة ومصرف لبنان والقطاع المصرفي، بما يضمن استعادة الودائع تدريجياً، وإعادة بناء الثقة بالنظام المالي، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعافي الاقتصادي بعد سنوات من الانهيار.

