د. علي دربج - خاصّ الأفضل نيوز
لا تتوقف الصين عن مفاجأة العالم بابتكاراتها العلمية المتواصلة؛ فلا يمر يومٌ إلا ونسمع أو نقرأ خبرًا عن إنجازٍ تقنيٍّ مذهل، وآخرها إعلان بكين في الأيام القليلة الماضية، عن نجاحها في تحقيق قفزةٍ تكنولوجية غير مسبوقة أبدًا، تمثلت بإطلاق "الشمس الاصطناعية"، وهو مشروع يسعى إلى إنتاج طاقة نظيفة وآمنة بالطريقة نفسها التي تنتج بها الشمس طاقتها.
ليس هذا فحسب، يُعدّ هذا التحول من أكثر المشاريع العلمية طموحًا في العالم، لأنه قد يفتح الباب أمام مصدر طاقة شبه غير محدود، قادر على تلبية احتياجات البشرية لعقود طويلة، مع الحدّ من التلوث والانبعاثات الكربونية.
ما هي الشمس الاصطناعية؟
رغم أن الاسم قد يبدو وكأن الصين تحاول صناعة شمس جديدة، فإن الحقيقة مختلفة تمامًا؛ فالهدف ليس إنشاء شمس حقيقية، وإنما تقليد التفاعل الذي يحدث داخل الشمس لإنتاج الطاقة؛ فداخل الشمس، تندمج ذرات الهيدروجين مع بعضها بعضًا تحت درجات حرارة وضغوط هائلة، فتنتج كميات ضخمة من الطاقة، لذلك، يحاول العلماء محاكاة هذه العملية داخل مفاعل خاص على الأرض لإنتاج الكهرباء بطريقة نظيفة، من دون الحاجة إلى حرق الوقود الأحفوري.
المثير أن هذا الأسلوب يختلف عن طريقة عمل المفاعلات النووية التقليدية التي تعتمد على شطر ذرات اليورانيوم، فبينما ينتج الانشطار النووي نفايات مشعة تتطلب معالجة دقيقة، يوفر الاندماج النووي طاقة أكبر بكثير، مع كمية أقل بكثير من النفايات المشعة.
وما علاقة البلازما بالشمس الاصطناعية؟
ضع في اعتبارك أنه لكي تنجح عملية الاندماج، يجب تسخين غاز الهيدروجين إلى أكثر من 100 مليون درجة مئوية، وهي حرارة تفوق حرارة مركز الشمس، وعند هذه الدرجة يتحول الغاز إلى مادة تُسمى البلازما (وهي غاز شديد السخونة يتكوّن من جسيمات مشحونة كهربائيًا، وتُعد المادة الأساسية التي تنتج الطاقة داخل المفاعل).
الجدير بالذكر أن هذه البلازما لا يمكن أن تلامس أي جدار، لأن حرارتها الهائلة كفيلة بإذابة أي معدن في لحظات، وهو ما جعل العلماء يبحثون عن طريقة لإبقائها معلقة داخل المفاعل، من هنا تأتي المغانط العملاقة، التي توصف بأنها قلب المشروع.
المغانط العملاقة إنجاز صيني جديد
عمليًّا، لا تُعد هذه المنظومة المتطورة مغناطيسات عادية، إنما أجهزة هندسية عملاقة تولّد حقولًا مغناطيسية هائلة تعمل كأنها قفص غير مرئي يحيط بالبلازما ويمنعها من ملامسة جدران المفاعل.
كما يمكن تشبيه هذه المغانط بأيدٍ غير مرئية تمسك بكرة من النار وتبقيها معلقة في الهواء من دون أن تلمس أي شيء.
وتبعًا لذلك، نجحت الصين مؤخرًا في تصنيع أحد أكبر هذه المغانط في العالم، إذ يبلغ طوله 21 مترًا، ويزن 582 طنًا، وهو إنجاز يرى الخبراء أنه يمثل خطوة أساسية نحو تشغيل مفاعلات الاندماج النووي مستقبلًا.
لكن مهلًا، فهذا السَبق الصيني، لا يقتصر فقط على تصنيع المغناطيس العملاق، بل يشمل أيضًا تطوير تقنيات متقدمة للتحكم بالبلازما، وهي أصعب مرحلة في عملية الاندماج النووي. زد على ذلك أن بكين تمكنت أيضًا من تصنيع معظم التقنيات الأساسية لهذا المشروع داخل البلاد، ما يعكس تطورًا كبيرًا في قدراتها العلمية والصناعية، ويعزز مكانتها كإحدى الدول الرائدة في سباق الاندماج النووي.
وعليه، ووفق الخطط المعلنة، تعتزم الصين استكمال مفاعل اندماج تجريبي جديد بحلول عام 2027، على أن تبدأ أولى التجارب لإنتاج الكهرباء بهذه التقنية حوالي عام 2030.
وإلى جانب الشمس الاصطناعية الصينية، تشارك الأخيرة مع 33 دولة أخرى في مشروع مماثل خارج أراضيها، وهو "المفاعل النووي الحراري التجريبي الدولي" (ITER) الذي يُنفذ في جنوب فرنسا، ويُعد أكبر برنامج عالمي لأبحاث الاندماج النووي.
الصين وتصدر تطبيقات الأبحاث العلمية
في الواقع، أصبحت من أكثر الدول تقدمًا في السباق لتطوير طاقة الاندماج النووي، وتسعى إلى تحويل الأبحاث العلمية إلى تطبيقات عملية في وقت أسرع من منافسيها.
وبناءً على ذلك، لا ينظر الخبراء إلى "الشمس الاصطناعية" باعتبارها مشروعًا علميًّا فقط، إنما استراتيجيًّا أيضًا؛ فالدولة التي تنجح أولًا في إنتاج الكهرباء من الاندماج النووي قد تمتلك أفضليةً اقتصاديةً وتكنولوجيةً هائلة، وتعيد رسم خريطة الطاقة العالمية.
في المحصّلة: في حين ما تزال "الشمس الاصطناعية" في مرحلة التطوير، فإن ما حققته الصين حتى الآن يؤكد أن حلم إنتاج طاقة نظيفة وآمنة وشبه غير محدودة لم يعد مجرد خيال علمي، بل أصبح مشروعًا يقترب عامًا بعد عام من أن يتحول إلى واقع قد يُحدث ثورة في مستقبل العالم.

