ربى اليوسف - خاصّ الأفضل نيوز
"شعرها بيطير على خد حرير.. والنسمة تغير بتغير من الخد، والرمش كحيل بسواد...". منذ أن تغنّى العشاق بجمال الشعر، لم تكن الخصلات مجرد تفاصيل في وجه الحبيبة.. كانت لغةً سرية تختصر ألف كلمة.
من شعر "شمشون" الذي حمل سر القوة، إلى جدائل "رابونزل" التي نسجت حولها الأساطير، ومن شعر "شيفا" الذي احتضن نهرًا مقدسًا، ظل الشعر الطويل عبر العصور أكثر من مجرد زينة.. ظل رمزًا للقوة والجمال والهوية والأسرار التي يحملها الإنسان.
وربما لهذا السبب أثارت النجمة التركية "توبا بويوكستون" الجدل من جديد حول العلاقة الغامضة بين الإنسان وشعره، بعد تصريحاتها الأخيرة في مقابلة حديثة مع برنامج "إيميل أوزغور" عبر منصة يوتيوب.
خلال اللقاء، تحدثت توبا عن علاقتها الخاصة بالشعر، واستعادت تجربتها الشخصية عندما قررت قص شعرها الطويل، مشيرة إلى أنها كتبت آنذاك: "لقد حان وقت وداع بعض الذكريات".
وكان أكثر ما أثار الجدل في حديث توبا بويوكستون هو تطرقها إلى الجانب الروحي للشعر، إذ تحدثت عن أن تغطية الشعر في بعض الثقافات لا ترتبط فقط بالعادات أو التقاليد، بل قد تحمل معنى الحماية من الطاقات السلبية القادمة من الخارج.
كما أشارت إلى ما يُتداول حول ارتباط الشعر بالطاقة واعتباره "امتدادًا للجهاز العصبي"، وهي أفكار أثارت نقاشًا واسعًا بين المتابعين؛ فبينما رأى البعض فيها رؤية روحية وشاعرية تعكس علاقة الإنسان بذاته، اعتبر آخرون أنها أقرب إلى المعتقدات غير المثبتة علميًا منها إلى الحقائق العلمية.
المفارقة أن الشعرة التي نحملها لسنوات ليست سوى كيراتين بلا حياة أو ذكريات، لكنها تصبح في وجداننا أكثر من مجرد خصلات. نربطها بمراحلنا، بصورنا القديمة، وبالأشخاص الذين كنا معهم. ولهذا قد لا يكون قص الشعر بعد لحظة فارقة مجرد تغيير في المرآة.. بل إعلان صامت بأن شيئًا في الداخل قد تغيّر.
ولم يكن الشعر الطويل بعيدًا يومًا عن خيال الشعراء.
منذ الشعر الجاهلي، وقفت الجدائل في قلب قصائد الغزل، فلم تكن مجرد وصف للجمال، بل رمز للفتنة والحضور. ويُعد وصف امرئ القيس لشعر المرأة في معلقته من أشهر الصور الشعرية: "غدائرُها مستشزراتٌ إلى العُلا تضلُّ العقاصُ في مثنّى ومرسلِ".
كما جعل الشعر الحديث، وخصوصًا عند نزار قباني، من تفاصيل المرأة لغة كاملة للعشق؛ فتحولت العين والشعر والعطر إلى مفردات تحمل الجمال والحنين والعاطفة.
ولم يبقَ الشعر الطويل مرتبطًا بصورة المرأة فقط؛ فعند الرجال أصبح في عالم الروك والميتال أكثر من مجرد مظهر، بل إعلان عن التمرد والحرية الشخصية. من روبرت بلانت إلى أكسل روز، تحولت الخصلات الطويلة إلى جزء من هوية الفنان وحضوره، وكأن الشعر نفسه أصبح توقيعًا بصريًا يعلن الاختلاف.
وقد جسّدت أغنية "Almost Cut My Hair" لفرقة Crosby, Stills, Nash & Young هذا الارتباط بين الشعر والهوية، كما جعلت أغنية "Hair" من المسرحية الموسيقية الشهيرة الشعر رمزًا للتعبير عن الذات.
وتزامنت تصريحات توبا بويوكستون مع مرحلة فنية جديدة في مسيرتها، إذ تستعد لخوض تجربة الدراما المصرية من خلال مسلسل "الأمير" إلى جانب النجم أحمد عز، في عمل يجمع للمرة الأولى بين نجوم من تركيا ومصر، بالتزامن مع استمرار حضورها في الساحة الفنية.
وبين خصلة تقصّها امرأة لتودّع ذكرى، وشعرٍ يطير على خد حرير في أغنية عاشق، يبقى الشعر أكثر من مجرد مظهر.. إنه صورة نحملها عن أنفسنا، وحكاية لا تسقط حتى بعد أن تسقط الخصلات.

