نبيه البرجي - خاصّ الأفصل نيوز
هذا هو الشرق الأوسط الذي وصفه هيرودوت , منذ 2500 عام , بأنه يقع على خط الزلازل . لم يكن يقصد التفاعلات الجيولوجية وإنما التفاعلات الحضارية والتفاعلات الماورائية باعتبارها المنطقة التي هبط فيها آدم , كما بعث فيها الأنبياء . مثلما هي مهد الأساطير هي أيضاً مهد الديانات , ليكتب المؤرخ الفرنسي جان ـ بيار فيليو "هنا بدايات العالم , وأخشى أن تكون هنا نهايات العالم" لكون المنطقة , وعبر الأزمنة , هدفاً لكل الأباطرة ومن أصقاع الدنيا , حتى إذا ما ظهر النفط الذي وصفه الباحثون بـ"دم الأرض" أخذ المشهد ذلك المنحى الذي يضج بالاحتمالات .
وإذا كان هنري كيسنجر قد قال , إثر فشل ديبلوماسية الخطوة خطوة لإيجاد حل لأزمة الشرق الأوسط بوضع القضية الفلسطينية في الثلاجة , "ربما علينا الانتظار ليأتينا الحل من العالم الآخر" , فهو الذي أطلق نوعاً آخر من الصراع حول المنطقة بفك الارتباط بين الذهب والعملات , وربط النفط بالدولار في الصفقة التي دعيت بـ "البترو دولار" , ليجد في ذلك البريطاني ديزموند ستيوارت "أهم مفصل في تدمير العالم" , واصفاً كيسنجر بـ "أحد أعمدة الدم في التاريخ"، حتى إذا ما عدنا إلى أوراق لويد جورج , رئيس الوزراء البريطاني الذي أطلق في عهده "وعد بلفور" (2 تشرين الثاني 1917 ) , للاحظنا أن هناك أكثر من إشارة إلى أن النفط تقدم على المحرقة (الهولوكوست) في إقامة إسرائيل كقلعة أمامية للمصالح الغربية . هنا أيضاً مركز البوابات التي تقود إلى القارات الثلاث (آسيا وأوروبا وأفريقيا) . من مضيق الدردنيل إلى قناة السويس , ومن باب المندب إلى مضيق هرمز , ليكتب المفكر المصري الفذ جمال حمدان "لم تكن مشكلتنا في جنون التاريخ فقط . في جنون الجغرافيا أيضاً" .
صاحب "عبقرية الأرض" كتب في وقت لاحق "ما زاد في كوارثنا أن قادة إسرائيل راحوا يتصرفون أمبراطورياً في المنطقة مثلما يتصرف قادة القوى العظمى , بالرغم من كونها الذراع الخشبية للعالم الغربي الذي طالما شكّل الشرق الأوسط نقطة جذب له منذ الحروب الصليبية وحتى حرب السويس , عام 1956 , حيث كان غروب الأمبراطورية البريطانية والأمبراطورية الفرنسية , ليطلق الرئيس دوايت ايزنهاور , بطل النورماندي , في العام التالي , مبدأه الشهير (مبدأ ايزنهاور) لـ "ملء الفراغ في الشرق الأوسط" , ليكون ملء الفراغ بالفراغ ..وصولاً إلى اليوم الذي اندلع فيه الصراع العسكري بين أميركا وايران .
ولطالما قلنا للإيرانيين إنه بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وإعلان الرئيس جورج بوش الأب قيام "النظام الدولي الجديد" وعلى أساس الاستقطاب الأحادي , لم يعد هناك على المسرح العالمي سوى لاعب واحد هو اللاعب الأميركي . كما دعونا إلى إبدال ديبلوماسية (واستراتيجية) حائكي السجاد بديبلوماسية (واستراتيجية) بائعي السجاد , وحيث التخلي عن الهاجس الايدولوجي في صياغة السياسات باتجاه البراغماتية لأن الرهان على "الجنرال زمن" في هذه الحقبة رهان على الهباء !
هنا لا مجال للمقارنة بين الأرمادا الأميركية والترسانة الباليستية الايرانية , بعدما لاحظنا ذلك الخطأ المروع في تحويل عملية تخصيب اليورانيوم وإنتاج أجهزة النبذ المركزي , وهي عملية يفترض أن تحصل في أقصى حالات السرية , إلى استعراض تلفزيوني سرعان ما تم استخدمه كورقة ذهبية لتشديد الحصار , وحتى لعسكرة الصراع , دون إغفال ردات الفعل لدى الكثير من البلدان العربية التي ستجد نفسها بين المخلب النووي الإسرائيلي والمخلب النووي الإيراني , فيما تقتضي الضرورة الاسستراتيجية بناء الثقة بين ضفتي الخليج , لتزداد الهوة مع الضربات العسكرية التي استهدفت البلدان العربية .
بدلاً من أن تفضي "مذكرة التفاهم" إلى الحد من الايقاع الناري للعلاقات بين واشنطن وطهران , رأينا كيف أن المفاوضات أقرب ما تكون إلى الصراع الديبلوماسي الذي كان لا بد أن يؤدي إلى عودة الصراع العسكري . الخطير هنا أن خبراء استراتيجيين في قيادة الأطلسي (وكالة بلومبرغ) يعتقدون أن الشرق الأوسط قد يكون بحاجة إلى "الانفجار الكبير" (Big Bang ) لتخليصه من الترسبات التاريخية والايديولوجية (وحتى الأمبراطورية) , وفرض مفاهيم ومعادلات تقود إلى وقف لعبة الحرائق .
للقيادة الإسرائيلية نظرنها الأخرى إلى المشهد . مثلما وضعت قنبلة هيروشيما نهاية للحرب العالمية الثانية , يفترض أن يكون الحل لمشكلة الصراع (الذي كان دوماً لمصلحة الدولة العبرية) بالضربات النووية . هذا ما ترفضه الإدارة الأميركية بالنظر لتداعياته الأبوكاليبتية على المنطقة , وحتى على العالم .
نذكر أنه إبان الحرب الكورية في مطلع الخمسينات من القرن المنصرم , والتقدم الصاعق للقوات الشيوعية , بعث الجنرال دوغلاس ماك آرثر , بطل الباسيفيك الذي استسلم الأمبراطور هيروهيتو بين يديه , ببرقية إلى الرئيس هاري ترومان يدعوه فيها إلى استخدام السلاح النووي ضد تلك القوات , فكان أن الرئيس الأميركي استدعاه في الحال , وأحلّ محله الجنرال ماثيو ريدغواي . حجته أنه لا يريد أن تستوطن اللوثة النووية في رؤوس الجنرالات , ما يعني خراب أميركا وخراب العالم .
الآن إلى أين حين ينفجر المشهد أكثر فأكثر , فيما يبدو أن الوسطاء بلغوا حدود اليأس , ليكون الرهان على مساعي الساعات , وربما الدقائق , الأخيرة , وإلا العودة إلى الملاجئ , وحيث لا ملاجئ . العودة إلى القبور ..

