ميرنا صابر - خاص الأفضل نيوز
تخيّل أن يكون لديك آلاف المتابعين على إنستغرام، ومئات الأصدقاء على فيسبوك، وعشرات المحادثات يومياً على تطبيقات المراسلة... لكن عندما تحتاج إلى شخص تتحدث معه أو تستند إليه، لا تجد أحداً. هذه ليست قصة فردية، بل واقع يعيشه عدد متزايد من أبناء جيل Gen Z حول العالم، وبينهم آلاف الشباب في لبنان.
لم تعد الوحدة مرتبطة بكبار السن أو بمن يعيشون بمفردهم، بل أصبحت واحدة من أبرز الظواهر الاجتماعية التي تطبع جيل Gen Z، الجيل الأكثر اتصالاً بالعالم عبر الإنترنت، والأقل ارتباطاً بعلاقات إنسانية عميقة على أرض الواقع.
ففي وقت يقضي فيه الشباب ساعات طويلة على تطبيقات مثل تيك توك وإنستغرام وسناب شات، ويحصد بعضهم آلاف المتابعين والإعجابات يومياً، تكشف الدراسات أن هذا الجيل يعاني مستويات غير مسبوقة من الشعور بالوحدة والعزلة، حتى بات خبراء يطلقون على الظاهرة اسم "ركود الصداقات"، في إشارة إلى التراجع المستمر في العلاقات الاجتماعية الحقيقية.
ولا تعكس هذه الظاهرة شعوراً عابراً، بل تغييراً جذرياً في أسلوب الحياة. فوفق دراسات دقيقة، يقضي مستخدم الإنترنت حول العالم نحو 6 ساعات و40 دقيقة يومياً على الشبكة، بينها ما يقارب ساعتين و20 دقيقة على منصات التواصل الاجتماعي وحدها، فيما تشير أبحاث سلوكية إلى أن أفراد Gen Z يفتحون هواتفهم عشرات، وأحياناً أكثر من 100 مرة يومياً، حتى بات الهاتف يرافقهم منذ لحظة الاستيقاظ وحتى النوم، على حساب العلاقات الإنسانية المباشرة. والمفارقة أن التكنولوجيا، التي صُممت لتقريب الناس من بعضهم، تحولت بالنسبة إلى كثيرين إلى بديل عن اللقاءات المباشرة، فصار التواصل يتم عبر شاشة، بينما تتراجع الجلسات العائلية واللقاءات مع الأصدقاء والأنشطة الاجتماعية التي كانت تشكل جزءاً أساسياً من الحياة اليومية.
وتشير أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو واحد من كل ستة أشخاص حول العالم يشعر بالوحدة، فيما تبلغ نسبة الشعور بالوحدة بين المراهقين والشباب نحو 21 في المئة، وهي الأعلى مقارنة بالفئات العمرية الأخرى. كما تربط المنظمة بين العزلة الاجتماعية وارتفاع مخاطر الاكتئاب والقلق وأمراض القلب، مؤكدة أن تداعياتها لا تقتصر على الصحة النفسية، بل تمتد إلى الصحة الجسدية والإنتاجية الاقتصادية.
وفي دراسة أخرى، وُصف جيل Gen Z بأنه "الجيل الأكثر وحدة"، رغم كونه الأكثر استخداماً للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، في مفارقة تعكس أن الاتصال الرقمي لا يعوّض العلاقات الإنسانية الحقيقية.
أما في لبنان، فرغم غياب الإحصاءات الرسمية التي تقيس حجم الظاهرة، فإن مؤشرات الواقع تكشف أنها تتسارع بشكل لافت. فمنذ عام 2019، غادر مئات آلاف اللبنانيين البلاد، وشكلت فئة الشباب النسبة الأكبر من المهاجرين، ما أدى إلى تفكك دوائر اجتماعية كاملة، بعدما وجد كثيرون أنفسهم يفقدون أصدقاء الدراسة والجامعة والعمل، الواحد تلو الآخر. كما ساهمت الأزمة الاقتصادية في تغيير نمط الحياة الاجتماعية، إذ أصبح الخروج إلى المطاعم أو المقاهي، أو حتى ممارسة الأنشطة الترفيهية، عبئاً مالياً بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب، ما دفع كثيرين إلى تقليص لقاءاتهم والاكتفاء بالتواصل عبر تطبيقات المراسلة.
وتقول مصادر اجتماعية لـ"الأفضل نيوز": "إن عدداً متزايداً من الشباب بات يفضّل البقاء في المنزل خلال عطلة نهاية الأسبوع، ليس بسبب الانطواء فقط، بل نتيجة الضغوط الاقتصادية وارتفاع كلفة الخروج، ما أدى إلى تراجع اللقاءات الاجتماعية التقليدية التي كانت تشكل مساحة لتكوين الصداقات والحفاظ عليها".
وتضيف المصادر أن مشهداً أصبح يتكرر يومياً في المقاهي اللبنانية؛ يجلس الأصدقاء حول الطاولة نفسها، لكن كل واحد منهم غارق في شاشة هاتفه.
دقائق طويلة تمر من دون حوار حقيقي، بينما تحل الإشعارات ومقاطع "ريل" و"تيك توك" محل الأحاديث التي كانت تملأ الجلسات سابقاً. وبات الخروج مع الأصدقاء بالنسبة إلى كثيرين يعني مشاركة المكان نفسه، لا مشاركة اللحظة نفسها.
ويشير باحثون إلى أن جيل اليوم لم يفقد القدرة على التواصل، بل تغيّرت طبيعة هذا التواصل. فالعلاقة أصبحت تُقاس بعدد الرسائل وردود الفعل والإعجابات، بينما تراجعت قيمة الحوار الطويل، والزيارة المفاجئة، والجلوس لساعات مع الأصدقاء من دون هواتف. ويرى مختصون أن الاعتماد المفرط على التواصل الرقمي بدأ ينعكس على مهارات الحوار والاستماع والتفاعل الاجتماعي، خصوصاً لدى الفئات الأصغر سناً.
وتضيف المصادر أن جزءاً من المشكلة يعود إلى ثقافة المقارنة التي تفرضها المنصات الرقمية، حيث يرى المستخدم يومياً صوراً لحياة تبدو مثالية، وسفرات متواصلة، وعلاقات ناجحة، ما يدفع كثيرين إلى الاعتقاد بأنهم وحدهم من يعيشون العزلة أو يواجهون صعوبات اجتماعية، رغم أن الواقع مختلف تماماً.
ولا يقتصر تأثير هذه الظاهرة على الحياة الشخصية، بل يمتد إلى سوق العمل أيضاً، إذ تشير دراسات حديثة إلى أن الشعور بالوحدة ينعكس على الإنتاجية والإبداع والقدرة على بناء فرق العمل. كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن العزلة الاجتماعية تفرض كلفة اقتصادية متزايدة على المجتمعات نتيجة ارتفاع الإنفاق الصحي وتراجع الإنتاجية، معتبرة أن تعزيز الروابط الاجتماعية لم يعد مجرد قضية نفسية، بل استثماراً صحياً واقتصادياً في آن واحد.
وفي المقابل، بدأت تظهر عالمياً مبادرات تحاول مواجهة "ركود الصداقات"، من بينها لقاءات بلا هواتف، ونوادٍ للقراءة، ومجموعات للمشي الجماعي، وحتى مقاهٍ تشجع الزبائن على ترك هواتفهم جانباً لساعات من أجل استعادة التواصل الحقيقي مع الآخرين.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل أصبح جيل Gen Z يملك شبكة واسعة من المتابعين، لكنه يفتقد شبكة حقيقية من الأصدقاء؟ وهل أصبحت الصداقة في زمن الخوارزميات تحتاج إلى إعادة اكتشاف، بعدما تحولت العلاقات الإنسانية لدى كثيرين إلى إشعار على شاشة، بدلاً من كتف يمكن الاتكاء عليه؟

