طارق ترشيشي _خاص الأفضل نيوز
للوهلة الأولى بدت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام الأخيرة لأنقرة، امتداداً طبيعياً للعلاقات الثنائية بين لبنان وتركيا، إلا أن توقيتها، وجدول لقاءاتها، والظروف الإقليمية التي حصلت خلالها، تجعلها تتجاوز إطار التعاون التقليدي لتندرج في سياق إعادة رسم شبكة التوازنات في شرق المتوسط والمشرق العربي، في مرحلة تشهد تحولات متسارعة بعد سقوط النظام السوري السابق، وصعود السلطة الجديدة في دمشق، وعودة الولايات المتحدة الأميركية إلى لعب دور مباشر في إعادة هندسة المشهد الإقليمي.
تقول أوساط ديبلوماسية أن لقاء سلام مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وكذلك اجتماعاته الطويلة مع وزير الخارجية حقّان فيدان، لا يمكن قراءتها بعيداً عن ثلاثة ملفات مترابطة هي: مستقبل العلاقات اللبنانية ـ السورية، الدور التركي المتنامي في سوريا الجديدة برئاسة أحمد الشرع، المحاولة الأميركية لبناء منظومة إقليمية جديدة تتقاطع فيها المصالح التركية والعربية والأميركية.
وأول ما يلفت الانتباه هو أن تركيا لم تعد تتعامل مع لبنان كملف مستقل، بل بوصفه امتداداً مباشراً للتحولات الجارية في سوريا. فمنذ التغيير السياسي في دمشق، باتت تركيا اللاعب الخارجي الأكثر حضوراً وتأثيراً في الشمال السوري، فيما تعمل بالتوازي على توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي في عموم الجغرافيا السورية، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة مع السلطة الجديدة برئاسة أحمد الشرع، ومن التقاطع الواضح مع واشنطن في ملفات عدة، على رغم من استمرار الخلافات بينهما في ملفات أخرى.
وفي هذا السياق، اكتسبت زيارة سلام لتركيا بعداً يتجاوز العلاقات الثنائية. فالرجل يدرك أن استقرار لبنان لم يعد ممكناً من دون إعادة صوغ العلاقة مع سوريا على أسس جديدة، سواء في ملف ضبط الحدود، أو مكافحة التهريب، أو عودة النازحين السوريين، أو إعادة فتح طرق التجارة البرية التي تشكل الممر الطبيعي للاقتصاد اللبناني الى العالم العربي.
ولذا، فإن تركيا تبدو اليوم قادرة على لعب دور الوسيط أو الميسر بين بيروت ودمشق، مستفيدة من موقعها المميز لدى القيادة السورية الجديدة، ومن انفتاحها المتزايد على العواصم العربية والغربية في آن واحد.
ولا يبدو أن هذا الدور التركي يأتي بمبادرة منفردة، بل ينسجم مع رؤية أميركية أوسع تقوم على توزيع الأدوار بين الحلفاء. فواشنطن، المنشغلة بملفات كبرى تمتد من أوكرانيا إلى بحر الصين، تبدو أكثر ميلاً إلى تكليف شركائها الإقليميين بإدارة التفاصيل، فيما تحتفظ هي بالإطار السياسي والاستراتيجي العام. ومن هذه الزاوية، فإن تركيا تتحول تدريجياً أحد أبرز اللاعبين المكلفين إدارة المرحلة الانتقالية في سوريا، بما ينعكس تلقائياً على لبنان بحكم الجغرافيا والتداخل الأمني والاقتصادي بين البلدين. ولذلك، تصدرت ملفات الحدود والنازحين والتعاون الأمني جدول أعمال لقاءات سلام في أنقرة، لأنها تشكل في الواقع مفاتيح العلاقة المستقبلية بين بيروت ودمشق.
على أن البعد الاقتصادي لزيارة سلام التركية، لم يقل أهمية عن بعدها السياسي. فتركيا تنظر إلى لبنان على أنه بوابة بحرية يمكن أن تستعيد جزءاً من أهميتها مع إعادة إعمار سوريا، كما ترى في المرافئ اللبنانية خصوصا في بيروت وطرابلس شريكاً طبيعياً في حركة التجارة والنقل نحو الداخل السوري والأسواق العربية.
وفي المقابل، يحتاج لبنان إلى استثمارات تركية في البنى التحتية والطاقة والمرافئ، كما يحتاج إلى دور تركي في تشجيع الشركات الخاصة على العودة إلى السوق اللبنانية، في ظل تراجع الاستثمارات الغربية والخليجية خلال السنوات الأخيرة.
لكن القراءة السياسية لزيارة سلام التركية لا تكتمل من دون ربطها بالتطورات التي شهدتها قمة حلف شمال الأطلسي(الناتو)، حيث شكل اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع على هامشها محطة مفصلية في مسار الانفتاح الدولي على دمشق. فهذا اللقاء لم يكن مجرد كسر للعزلة السياسية التي عاشتها سوريا خلال السنوات الماضية، بل حمل رسالة واضحة مفادها أن واشنطن قررت التعامل مع السلطة السورية الجديدة في اعتبارها جزءاً من ترتيبات الأمن الإقليمي، لا مجرد سلطة انتقالية تنتظر الاعتراف. ومن هنا، يصبح مفهوماً لماذا سارعت تركيا إلى تعزيز حركتها الديبلوماسية في اتجاه لبنان لأنها تدرك أن أي تسوية شاملة في سوريا لن تستقيم من دون معالجة الملفات العالقة مع لبنان، كما أن استقرار لبنان أصبح جزءاً من معادلة استقرار سوريا نفسها، سواء لجهة الحدود أو الاقتصاد أو حركة النازحين أو الأمن.
وتشير أوساط ديبلوماسية إلى أن القيادة التركية تنظر إلى حكومة سلام في اعتبارها شريكاً يمكن البناء عليه لإطلاق صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية ـ السورية، بعيداً عن إرث العقود السابقة، وبما ينسجم مع التحولات التي شهدتها سوريا منذ قيام السلطة الجديدة برئاسة الشرع.
ويبقى السؤال: ما الذي عاد به سلام من زيارته لأنقرة؟
ليس متوقعاً أن تكون الزيارة قد أنتجت اتفاقات كبرى أو تفاهمات نهائية، لكنها، على الأرجح، وضعت أسساً لقناة تنسيق دائمة بين بيروت وأنقرة، تتناول ملفات الحدود، والنازحين، والتعاون الأمني، وإعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية، إضافة إلى التنسيق في شأن إدارة العلاقة مع دمشق في المرحلة المقبلة خصوصاً أن المسؤولين الأتراك نصحوا سلام بتحسين العلاقات اللبنانية ـ السورية وتطويرها.
والمرجح أن سلام أراد من زيارته التركية أيضاً توجيه رسالة إلى الداخل والخارج مفادها أن لبنان لن ينتظر التسويات الإقليمية الكبرى حتى يبدأ إعادة بناء شبكة علاقاته، بل يسعى إلى الانفتاح على القوى المؤثرة في محيطه، وفي مقدمها تركيا، بما يخدم مصالحه الوطنية.
أما تركيا، فهي تبدو معنية بتثبيت حضورها في لبنان في لحظة يعاد فيها رسم خرائط النفوذ في المشرق. فأنقرة تدرك أن نفوذها في سوريا لن يكتمل من دون شراكة مع بيروت، وأن إعادة إعمار سوريا، واستقرار شرق المتوسط، وأمن الحدود، تشكل ملفات متداخلة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر. ولهذا، يصعب النظر إلى زيارة سلام لتركيا في اعتبارها مجرد محطة ثنائية. إنها جزء من مشهد إقليمي أكبر، عنوانه إعادة توزيع الأدوار بين القوى الفاعلة في المشرق، في ظل رعاية أميركية مباشرة، وانفتاح عربي متدرج، ومحاولة تركية لتكريس نفسها شريكاً أساسياً في هندسة المرحلة الجديدة. ولكن نجاح هذا المسار يبقى رهناً بقدرة لبنان على استثمار هذا الانفتاح من موقع الدولة، لا من موقع الساحة. فكلما استطاع لبنان أن يتحرك بسياسة خارجية متوازنة، وأن يبني علاقاته مع أنقرة ودمشق والعواصم العربية والغربية على قاعدة المصالح الوطنية، ازدادت فرص خروجه من دوامة الأزمات التي استنزفته طوال العقدين الماضيين. أما إذا بقي أسير الانقسامات الداخلية وتجاذبات المحاور، فإن أي حراك ديبلوماسي، مهما بلغت أهميته، سيبقى تأثيره محدوداً في تغيير الواقع اللبناني نحو الأفضل.

