محمد علوش - خاصّ الأفضل نيوز
تعود تركيا اليوم إلى المشرق العربي من بوابة مختلفة عن تلك التي عرفتها المنطقة خلال العقد الماضي، إذ تتصرف أنقرة باعتبارها دولة ترى أن اللحظة الإقليمية الحالية تتيح لها التحول إلى القوة الأكثر تأثيراً في شرق المتوسط وبلاد الشام، مستفيدة من ثلاثة متغيرات متزامنة هي تراجع النفوذ الإيراني، والانكفاء الروسي نتيجة حرب أوكرانيا، ورغبة الولايات المتحدة في إدارة المنطقة عبر شريكين إقليميين هما إسرائيل وتركيا.
من هنا يمكن قراءة زيارة وزير الخارجية السوري إلى بيروت، وكذلك زيارة رئيس الحكومة اللبنانية إلى أنقرة، باعتبارهما جزءاً من إعادة رسم شبكة العلاقات الإقليمية الجديدة، فتركيا تنظر إلى لبنان باعتباره الحلقة الأخيرة في الجغرافيا السورية الممتدة نحو البحر المتوسط، وأي مشروع تركي في سوريا يبقى ناقصاً إذا لم يمتد تأثيره، ولو سياسياً واقتصادياً، إلى لبنان.
العلاقة التركية الأميركية تشكل الأساس الذي يسمح لأنقرة بلعب هذا الدور، فصحيح أن الطرفين يختلفان في ملفات عديدة، إلا أن السنوات الأخيرة أظهرت أن واشنطن ترى في تركيا شريكاً يصعب الاستغناء عنه؛ فالولايات المتحدة تدرك أن تركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، ولها حدود مع روسيا وإيران والعراق وسوريا، كما أنها الدولة الوحيدة القادرة على الجمع بين القوة العسكرية والنفوذ السياسي والاقتصادي في المنطقة.
هذا لا يعني إطلاقا وجود تطابق كامل بين المشروعين الأميركي والتركي، بل تقاطع مصالح؛ واشنطن تريد السيطرة على المنطقة اقتصاديا وسياسيا والحد من النفوذ الإيراني والروسي والصيني، فيما تريد أنقرة تحويل هذه الرغبة إلى نفوذ دائم يمنحها موقع الدولة المرجعية في المشرق.
في سوريا، تبدو الصورة أكثر وضوحاً. فبعد التحولات السياسية الأخيرة، أصبحت تركيا اللاعب الخارجي الأكثر حضوراً وتأثيراً داخل المؤسسات السورية الجديدة. فهي تمتلك نفوذاً أمنياً وعسكرياً، وتشارك في إعادة بناء البنية التحتية، وتطمح إلى قيادة مشاريع إعادة الإعمار والاستثمار والطاقة والنقل، والأهم أنها تسعى إلى دمج سوريا تدريجياً ضمن فضائها الاقتصادي، لكن المشروع التركي لا يتوقف عند سوريا؛ فأنقرة تدرك أن الاقتصاد السوري لن ينهض من دون لبنان، لذلك يصبح لبنان جزءاً من الحسابات الاقتصادية التركية، والحسابات الأمنية والسياسية، وبالتالي فإن زيارة رئيس الحكومة اللبنانية إلى تركيا تأتي في هذا السياق أيضاً.
في المقابل، تحمل زيارة وزير الخارجية السوري إلى بيروت دلالة إضافية، فدمشق الجديدة تحاول إعادة تنظيم علاقتها مع لبنان على أسس مختلفة، مع فتح الباب أمام تعاون اقتصادي وأمني أوسع، وهو تعاون يصعب فصله عن الرؤية التركية التي تعتبر أن استقرار الحدود اللبنانية -السورية شرط أساسي لإنجاح أي مشروع اقتصادي في سوريا، ولذلك كانت تركيا رافضة تماما لأي تدخل عسكري سوري في لبنان.
أما على مستوى التوازنات الإقليمية، فإن تركيا تحاول بناء علاقات متوازنة مع معظم اللاعبين. فهي تحتفظ بعلاقات وثيقة مع قطر، وتعمل على تطوير تعاونها مع السعودية والإمارات، وتحافظ على قنوات اتصال مع العراق والأردن، كما أعادت تطبيع علاقاتها مع مصر بعد سنوات من القطيعة، وحتى في ملف إسرائيل، ورغم التصعيد السياسي والإعلامي، لا تزال أنقرة تدرك أن أي دور إقليمي كبير يتطلب إدارة معقدة للعلاقة مع تل أبيب والولايات المتحدة في آن واحد، ولذلك تحاول أميركا إبعاد تركيا عن أي صدام مع إسرائيل من خلال إعادة صفقة الطائرات إف 35 إلى الواجهة، رغم علم الجميع بأن الصِّدام قادم لا محالة في المستقبل.
وفي لبنان تحديداً، لا يبدو أن تركيا تسعى إلى منافسة مباشرة مع أي طرف داخلي أو إقليمي، بل تعتمد سياسة التدرج في المكاسب؛ فهي تدرك حساسية الساحة اللبنانية وتشابكها، لذلك سيكون نفوذها في المرحلة المقبلة اقتصادياً وإنمائياً أكثر منه أمنياً أو عسكرياً، إلى جانب سعيها بأن تكون أساسًا لحل مسألة السلاح والاحتلال الإسرائيلي، لكن المشروع التركي يواجه تحديات جدية، فإيران لن تتخلى بسهولة عما تبقى من نفوذها في سوريا ولبنان، وإسرائيل تراقب بحذر أي تمدد تركي قد يغير ميزان القوى في شمال المنطقة.

