پولين فاضل - خاصّ الأفضل نيوز
قد تكون عبارة "ما في أحلى من لبنان" هي العبارة الأكثر ترداداً على ألسنة المغتربين اللبنانيين المواظبين على زيارة البلد "كل سنة مرة" أو أكثر أو أقل. غير أن هذه العبارة المحتفية بلبنان بلداً يفوق بلدان العالم جمالاً وحلاوة عيش بالرغم من كل شيء، تقابلها عبارة مناقضة من أهل لبنان المقيمين وهي "من هون بدنا نفل"..
وبين حالم بالعودة النهائية يوماً ما وحالم بالهجرة إلى أي بلد يشرّع الباب أمام الأحلام والطموحات وتحقيق الأهداف، يبدو لبنان عالقاً في نفق الأزمات والحروب، يُقفل على واحدة ليغرق في أخرى، والنتيجة البديهية: اللبنانيون منهكون وأكثرهم مستسلم لليأس ومقتنع بأن الأفق مسدود والبلد وبالإذن من الفنان الراحل زكي ناصيف مش "راجع متحلي وأخضر أكتر ما كان".
أما أحدث المعطيات على خط الاستسلام لفكرة الهجرة، فهو أن نحو 37 في المئة من اللبنانيين من الفئة العمرية ما بين 18 و34 سنة راغبون في الهجرة، وهم من الجامعيين أو المتخرجين أو المنخرطين في سوق العمل، وواقع أن واحداً من ثلاثة لبنانيين يريد الهجرة هو من أعلى المعدلات في العالم. وقد انتهى إلى هذه الخلاصة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت الذي أجرى استطلاعاً للرأي تبيّن فيه أيضاً أن النسب متقاربة بين الذكور والإناث، ما يعني أن الهجرة ما عادت تجذب الشباب الذكور فقط وإنما أيضاً الشابات، كما تبيّن أن أوروبا هي الوجهة الأولى المفضلة للهجرة تليها دول الخليج العربي مع تفوق واضح لأوروبا على حساب نزعة تقليدية للسفر إلى كندا وأستراليا وإفريقيا.
واللافت هو التمايز الذي أظهرته الدراسة بين الراغبين بالهجرة والساعين إليها، إذ إنه ولدى سؤال المستطلعين عمّا إذا كانوا قد سعوا خلال الأشهر الستة الماضية إلى الهجرة، من خلال تقديم طلب أو تحضير مستندات/وثائق أو التواصل مع جهات في الخارج أو البحث عن عمل أو دراسة أو محاولة الحصول على تأشيرة، أجاب 9.3 في المئة فقط بالإيجاب.
كذلك بينت الدراسة أن نسبة التفكير بالهجرة والاستقرار في الخارج هي 38.5 في المئة لدى السنّة، و32.3 في المئة لدى الشيعة، 26.9 في المئة لدى الدروز، في مقابل نحو 25.9 في المئة لدى الطوائف المسيحية مجتمعة.
وفي قراءة لخلاصة الاستطلاع، قال مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت الوزير السابق ناصر ياسين لموقع "الأفضل نيوز" إن "ثقافة الهجرة متجذرة في تاريخ اللبنانيين والمجتمع منذ القرن التاسع عشر، ولطالما كانت إحدى الطرق التي يلجأ إليها اللبنانيون عند اشتداد الأزمات، غير أن خطورتها اليوم هي أن نسبة الرغبة بالهجرة مرتفعة لدى الشباب المتعلمين والجامعيين، وهذا مؤشر إلى أن اللبنانيين منهكون اليوم بعد الأزمات والحروب المتتالية منذ العام 2019، ويشعرون بأن ثمة حالاً من عدم اليقين حيال المستقبل وتساؤلات في شأن انتهاء الحرب أو عدمه وما إذا كان الوضع الاقتصادي سيتحسن".
وبحسب ياسين، فإن "الدراسة أظهرت أن نسبة الرغبة بالهجرة أدنى من السعي لترجمتها، وبالتالي في حال سنحت أي فرصة للهجرة أمام هؤلاء الشباب، سيكونون على استعداد للسفر"، مضيفاً إن "هذا الأمر يعني أن خسارة هؤلاء الشباب الذين يشكلون الرأسمال الحقيقي للاقتصاد وهم من الخريجين والمتخصصين وأصحاب المهارات، ستكون له تداعيات كبرى على تحريك الاقتصاد وإعادة الإعمار متى بدأت رحلة التعافي". وقال إن "المجتمع والأهل استثمروا بهؤلاء الشباب، غير أن هذا الاستثمار تستفيد منه الدول التي يهاجرون إليها، وهذا الأمر لا يبني اقتصاداً فعلياً ومنتجاً".

