كريستال النوّار - خاص الأفضل نيوز
في كانون الأول 2020، بدأ تداول العقود الآجلة للمياه في بورصة شيكاغو التجارية، على نفس شاشات تداول النفط الخام والذهب. وفي التفاصيل، لا يتم تداول المياه فعلياً بالغالونات عبر البورصة، بل عقود مالية آجلة بناءً على أسعار حقوق استخدام المياه في خمس مناطق رئيسية في ولاية كاليفورنيا.
أمّا الهدف الرئيسي، فهو "توفير أداة مالية لشركات المرافق العامة، والمزارعين، والمستثمرين لإدارة مخاطر الجفاف وتأمين حاجاتهم المائية المستقبلية بأسعار مستقرة". وقد أثار هذا الطرح جدلاً واسعاً بين خبراء البيئة والمدافعين عن حقوق الإنسان، إذ أعرب البعض عن مخاوفهم من أنّ تحويل المياه إلى "سلعة استثمارية" يؤدّي إلى المضاربة، ما قد يُصعّب حصول المجتمعات الضعيفة والفقيرة على المياه بأسعارٍ معقولة.
اليوم، وفي ظلّ التهديد العالمي ودقّ جرس الإنذار من الجفاف، هل تتحوّل المياه إلى سبب لصراعات ونزاعات بين الدول؟ يُجيب الخبير الدولي في البيئة والمياه، البروفسور جلال حلواني: "تربط تقارير اليونسكو والأمم المتحدة بين تصاعد التوترات وشحّ المياه، وتعتبر أنّ أزمات المياه باتت تشكّل تهديداً مباشراً للسلم العالمي، ومثال على ذلك نزاع سدّ النهضة الحالي بين إثيوبيا ومصر والسودان، كما نشهد توترات حول الأنهار المشتركة في آسيا الوسطى، وحوض النيجر، وغيرها، وللأسف نرى استهداف البنى التحتية المائية في الحروب (أوكرانيا، وغزة، ولبنان أخيراً) كجزء من أدوات الضغط العسكري والسياسي"، مضيفاً في حديث لموقع "الأفضل نيوز": "يمكن القول إنّ منطقتنا (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) تُصنّف من أكثر الأقاليم عرضة لكون المياه أداة ضغط أو سبب نزاع، بسبب شحّ الموارد، والنمو السكاني، وسوء إدارة المياه العابرة للحدود".
في السياق، علّقت الهند معاهدة مياه عمرها 66 عاماً مع باكستان، وبدأت الصين ببناء سدّ ضخم بتكلفة 167 مليار دولار، من دون وجود معاهدة مع الدول الواقعة أسفل مجرى النهر، وتصف مصر سدّ النيل في إثيوبيا بأنه "تهديد وجودي". ولا يقتصر الأمر على الحكومات فقط، فقد أمضت شركة ألبان سعودية سنوات في ضخّ المياه الجوفية المجانية في أريزونا لزراعة البرسيم المحظور في السعودية، حيث شحنت التبن لمسافة 8000 ميل، بينما جفّت الآبار المحلية.
ولا بدّ من الإشارة أيضاً إلى اختفاء بحرٍ بأكمله. وكان بحر آرال رابع أكبر بحيرة في العالم، ويقع بين كازاخستان وأوزبكستان، ويُعدّ اختفاء هذا البحر من أكبر الكوارث البيئية التي تسبب فيها الإنسان، بعدما أدّى تحويل الاتحاد السوفياتي لنهري أموداريا وسيرداريا في الستينيات لريّ مزارع القطن، إلى جفاف أكثر من 90 في المئة من مساحة البحر، وقد تحوّل قاعه الجاف إلى صحراء "أرالكوم"، تاركاً سفن الصيد صدئة في الرمال.
إذا استمرّت الاتجاهات الحالية، كيف سيبدو واقع المياه بعد 10 إلى 20 عاماً؟ يرى حلواني أنّ المزيد من الدول ستدخل خانة "الإجهاد المائي الشديد" تدريجياً، مع انقطاع شبه كامل لمياه الشبكة لفترات طويلة.
كما يتوقّع "احتمال أن يعيش مليارا إنسان إضافي في دول تعاني شحاً حاداً بحلول عام 2050، ما يدفع باتجاه توسّع تحلية المياه وإعادة استخدامها، مع تحديات في مجالات الطاقة، والتكلفة، والعدالة الاجتماعية".
أمّا في الشرق الأوسط ولبنان، فيتوقّع "موجات جفاف أكثر تكراراً، بالإضافة إلى أمطار أقلّ انتظاماً، وضغط أكبر على الزراعة والصناعة، مع احتمال حصول هجرة داخلية وخارجية مرتبطة بالمياه والغذاء".
من هنا، يُشدّد حلواني على ضرورة إصلاح الإدارة المائية، وإلا "سيُصبح الوصول إلى مياه آمنة في بعض المناطق امتيازاً طبقياً لا حقاً عاماً، وستزداد الفجوة بين مَن يستطيع شراء المياه الخاصة، ومَن يعتمد على شبكة عامة متداعية".
إذاً، قد لا تكون الحروب المقبلة كلها على النفط أو الحدود، بل قد تبدأ من منبع نهر، أو خزان مياه، أو حقّ الوصول إلى قطرة نظيفة. فالمياه لم تعد مجرّد مورد طبيعي، بل أصبحت عنصراً في معادلات الأمن القومي والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي.
وبينما تتسارع آثار التغيّر المناخي، وتتزايد الضغوط على الموارد المائية، يبقى السؤال الحقيقي: هل ستنجح الدول في إدارة هذا المورد الحيوي بروح التعاون والعدالة، أم أنّ "الذهب الأزرق" سيتحوّل إلى وقودٍ لنزاعاتٍ جديدة؟ ما سيُحسم في السنوات المقبلة لن يكون فقط مستقبل المياه، بل مستقبل الأمن والسلام لملايين البشر.

