ندى أندراوس - خاصّ الأفضل نيوز
دخلت المباحثات اللبنانية الإسرائيلية في روما مرحلة أكثر تفصيلاً، بعدما انتقلت من تثبيت المبادئ العامة التي أرستها لقاءات واشنطن إلى مناقشة آليات التنفيذ على الأرض، في مؤشر إلى أن الجانبين يحاولان للمرة الأولى بناء مسار عملي لمعالجة الملفات العالقة في جنوب لبنان، بعيداً من الاكتفاء بتبادل المواقف السياسية.
وبحسب ما كشفت مصادر دبلوماسية مطلعة على المفاوضات للأفضل نيوز، فإن النقاش كان منفتحاً على الإطار التقني وكيفية الوصول إلى نتائج عملية، وهو ما انعكس في النقاشات المطولة التي تناولت تفاصيل إنشاء المناطق التجريبية التي يُراد أن تشكل اختباراً أولياً للآلية الجديدة قبل تعميمها على كامل المنطقة الحدودية.
وتركز البحث، وفق المصادر، على سلسلة أسئلة تنفيذية دقيقة، من بينها: من يمنح الأذونات للدخول والعمل داخل هذه المناطق؟ ومن يتولى التحقق من تنفيذ الإجراءات؟ وكيف ستُشكّل اللجان التي ستتابع النقاط العالقة؟ وما هي صلاحياتها وحدود عملها؟ كما تناولت المداولات ملفات تثبيت الحدود، والتحقق من الانسحاب الإسرائيلي، وآليات معالجة ملف السلاح، إلى جانب طبيعة الهيكلية الإدارية والأمنية التي ستواكب التنفيذ.
وتؤكد المصادر أن لبنان يصرّ على أن تبقى هذه اللجان ذات طابع تقني محدود، تعمل تحت الإشراف اللبناني، مع دور محوري للجيش، وبإشراف السفير سيمون كرم، بما يمنع إنشاء أي جسم موازٍ للمؤسسات اللبنانية أو أي وصاية خارجية على القرار التنفيذي. مع الإشارة إلى أن الجيش كان سبق وشكل فريق عمله الذي سيتولى تنفيذ الآلية والخطة في الجنوب.
كما أن الجيش كان قد أنجز خطة عمل مفصلة تتناول مختلف مراحل التنفيذ وآلياته، إلا أن وضعها موضع التطبيق يبقى مرتبطاً بما ستنتهي إليه اجتماعات روما التي تمتد على مدى يومين، باعتبارها ستحدد شكل الآلية النهائية وحدود صلاحياتها.
وتكشف المصادر أن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون يتابع شخصياً مجريات المفاوضات ساعة بساعة، ويجري اتصالات دورية للاطلاع على تفاصيل النقاشات، مؤكداً أمام المعنيين ضرورة عدم الاكتفاء بتسجيل تقدم سياسي أو دبلوماسي، بل تحقيق نتائج تنفيذية ملموسة يمكن ترجمتها سريعاً على الأرض في الجنوب.
ويكتسب هذا الحرص أهمية إضافية لأنه يأتي عشية زيارة الرئيس عون إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث يسعى الرئيس اللبناني إلى الذهاب وهو يحمل مؤشرات عملية على بدء تنفيذ تفاهمات الجنوب، بما يعزّز موقع لبنان في المباحثات مع الإدارة الأميركية، ويؤكد أن المسار الذي انطلق في واشنطن بدأ يتحول إلى خطوات ميدانية فعلية.
وتشير المصادر إلى أن الإصرار اللبناني لا يزال منصباً على إطلاق العمل في منطقتين تجريبيتين أولاً، باعتبارهما المدخل العملي لاختبار نجاح الآلية الجديدة، ومن ثم الانتقال إلى مراحل أوسع، في حين تُعد اجتماعات روما استكمالاً مباشراً للتفاهمات التي وُضعت خطوطها العريضة في واشنطن، لكنها تمثل هذه المرة اختباراً حقيقياً لقدرة الأطراف على الانتقال من السياسة إلى التنفيذ.
في المحصّلة، لن يكون يوما المباحثات في روما مجرد جولة تقنية لتفصيل آليات عمل اللجان، إنما ربما محطة مفصلية ستحدّد ما إذا كانت تفاهمات واشنطن قابلة للتحول إلى مسار تنفيذي مستدام، أم أنها ستبقى في إطار التفاهمات النظرية. فأي اتفاق على المناطق التجريبية وآليات التحقق واللجان التنفيذية سيشكل عملياً أول اختبار فعلي لترتيبات ما بعد الحرب في جنوب لبنان، كما سيرسم حدود الدور الذي سيلعبه الجيش اللبناني في مقابل تراجع أي حضور عسكري خارج إطار الدولة. إلا أن نجاح هذا المسار لن يتوقف على التفاهم اللبناني الإسرائيلي أو على الرعاية الأميركية وحدها، بل سيبقى مرتبطاً أيضاً بموقف حزب الله، الذي يتعامل مع أي ترتيبات ميدانية كأنها شيئًا لم يكن، وبالموقف الإيراني الذي ينظر إلى الساحة اللبنانية باعتبارها جزءاً من منظومة التوازنات الإقليمية الأوسع. ومن هنا، فإن أي تفاهم يخرج من روما لن تكتمل مفاعيله إلا إذا نجح في التوفيق بين مقتضيات الاستقرار في الجنوب من جهة وحسابات الصراع الإقليمي من جهة أخرى، وهو ما سيجعل الأيام والأسابيع التي تلي الاجتماعات أكثر أهمية من الاجتماعات نفسها.

