روجيه أبو فاضل - خاصّ الأفضل نيوز
بعد نحو عام ونصف على الجريمة التي هزت منطقة فاريا وأثارت اهتماماً واسعاً في الأوساط القضائية والإعلامية أصدرت محكمة جنايات جبل لبنان بتاريخ 14 تموز 2026 برئاسة القاضي إيلي الحلو وعضوية المستشارتين نور صادق ورانيا رحمة حكمها النهائي في قضية مقتل خليل خليل واضعة حداً لمسار قضائي طويل شهد تحقيقات أمنية واستنطاقية مطولة وجلسات محاكمة استمعت خلالها المحكمة إلى الشهود والأدلة والمرافعات قبل أن تنتهي إلى قناعة قانونية مغايرة لما خلص إليه القرار الظني والقرار الاتهامي.
فالجريمة التي بدأت إثر إشكال في فاريا وتحولت إلى قضية رأي عام لم يكن الخلاف فيها أمام المحكمة حول وقوع الوفاة بحد ذاته وإنما حول الوصف القانوني للأفعال وما إذا كانت تشكل قتلاً عمدياً يستوجب تطبيق المادة 549 من قانون العقوبات أو قتلاً قصدياً تنطبق عليه المادة 547.
وفي هذه النقطة أحدث الحكم تحولاً قانونياً مهماً إذ لم تأخذ المحكمة بالوصف الذي اعتمده قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان نقولا منصور والهيئة الاتهامية في جبل لبنان اللذان اعتبرا أن الوقائع تندرج ضمن جناية القتل العمد المنصوص عليها في المادة 549 من قانون العقوبات وهي المادة التي تعاقب على القتل عندما يقترن بظروف مشددة كسبق الإصرار أو الترصد أو غيرها من الحالات التي حددها القانون وتصل عقوبتها إلى الإعدام.
أما محكمة الجنايات فتوصلت بعد مناقشة الملف إلى نتيجة مختلفة معتبرة أن هذه الظروف المشددة لم تثبت لديها بالقدر الذي يجيز تطبيق المادة 549 ولذلك أعادت توصيف الجرم إلى القتل القصدي المنصوص عليه في المادة 547 من قانون العقوبات وهي المادة التي تعاقب كل من أقدم قصداً على قتل إنسان من دون توافر الظروف المشددة التي تميز جناية القتل العمد.
وانطلاقاً من هذا التكييف القانوني جرمت المحكمة جوناثن شمعون بجناية القتل القصدي وحكمت عليه بعقوبة الأشغال الشاقة لمدة عشرين سنة كما ألزمته بدفع مبلغ مئتي ألف دولار أميركي لورثة المغدور خليل خليل تعويضاً عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بهم نتيجة الجريمة.
وفي المقابل حمل الحكم تبرئة كاملة للشابة لونا بطيش بعدما اعتبرت المحكمة أن عناصر الاشتراك في الجريمة غير متوافرة بحقها. وأوضحت في تعليلها أن الملف خلا من أي دليل يثبت وجود اتفاق مسبق بينها وبين جوناثن شمعون على ارتكاب جريمة القتل كما لم يثبت أنها قدمت أي مساعدة أو تحريض أو تسهيل من شأنه أن يجعلها متدخلة في الجريمة وفق أحكام المادة 219 من قانون العقوبات التي تحدد الحالات التي يسأل فيها الشخص جزائياً بصفته متدخلاً في الجرم.
ورأت المحكمة أيضاً أن الاتحاد المادي والمعنوي بين لونا بطيش والفاعل الأصلي غير قائم وهو ما أدى إلى إعلان براءتها بصورة كاملة وهو الدفع القانوني نفسه الذي تمسك به وكيلها المحامي حسين جابر منذ بداية المحاكمة وأعاده في مرافعته الأخيرة عندما قال إن الملف كتب بالألم لا بالقلم وبالقهر لا بالحبر مؤكداً أن العدالة لا تبنى على الشبهات بل على الأدلة.
وبالمنطق القانوني نفسه أعلنت المحكمة براءة تيريزا صهيون بعدما رأت أن الأدلة المقدمة لا تكفي لإثبات اشتراكها في الجريمة وأن عناصر الاتفاق المسبق والاتحاد المادي والمعنوي مع الفاعل غير متوافرة وهو ما حال دون قيام أي مسؤولية جزائية بحقها.
أما بالنسبة إلى بقية المدعى عليهم فقد أدانت المحكمة روماريو سليم بموجب المادة 554 من قانون العقوبات وهي المادة التي تتعلق بالأفعال التي تؤدي إلى الإيذاء في ظروف معينة وحكمت عليه بالحبس ستة أشهر كما أدانت ساندرا دكاك سنداً للمادتين 575 و584 من قانون العقوبات المتعلقتين بالأفعال اللاحقة للجريمة والمرتبطة بإخفاء بعض معالمها أو عرقلة كشف الحقيقة وفق ما ثبت للمحكمة من وقائع الملف وأدانت كذلك ربيع حنا المعروف بإلياس عقيقي سنداً للمادة 554.
ويؤكد هذا الحكم من الناحية القانونية أن محكمة الجنايات ليست ملزمة بالأوصاف الجرمية الواردة في القرار الظني أو قرار الهيئة الاتهامية بل تملك كامل الصلاحية في إعادة توصيف الوقائع وفق قناعتها المستمدة من المحاكمة العلنية والأدلة التي نوقشت أمامها. ولذلك انتهت إلى نتيجة مختلفة عن مراحل التحقيق السابقة فاستبعدت جناية القتل العمد وأخذت بجناية القتل القصدي مع ما يترتب على ذلك من اختلاف في العقوبة وفي المسؤولية الجزائية لبقية المدعى عليهم.

