د. علي دربج - خاصّ الأفضل نيوز
هل سألت نفسك يومًا، عن سر الجاذبية الصينية وسبب صورتها المبهرجة والإيجابية، ولغز انتشار حضورها في مختلف القارات الخمس؟
إليكم الإجابة: التحولات الجارية تكشف أن النفوذ الصيني لم يعد يُقاس بعدد الاتفاقيات الدبلوماسية أو القواعد العسكرية، بل بعدد الهواتف المحمولة في جيوب الناس، والسيارات التي يقودونها، والتطبيقات التي يستخدمونها، والطرق والموانئ التي تمر عبرها تجارتهم. أي إن بكين تتبع استراتيجية مختلفة تمامًا، جعلت من الحياة اليومية للمستهلكين في العالم النامي المدخل الأوسع إلى بناء النفوذ.
الشركات الخاصة ذراع الصين الاقتصادية
عمليًا، صدّرت الصين في العام 2025، (بحسب مجلة الشؤون الخارجية الأميركية)، ما يقارب 1.6 تريليون دولار (أي 1600 مليار دولار) من السلع إلى الاقتصادات النامية، أي بزيادة تقارب 50% عما صدرته إلى الولايات المتحدة وأوروبا الغربية مجتمعتين.
واللافت أن نحو 60% من التجارة الخارجية الصينية باتت تنفذها شركات خاصة، لا مؤسسات حكومية، ما يعكس تحولًا جوهريًا في أدوات النفوذ الصيني، من الدبلوماسية التقليدية إلى القوة التجارية.
أكثر من ذلك، أصبحت العلامات التجارية الصينية حاضرة في معظم تفاصيل الحياة اليومية في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، بدءًا من الهواتف والسيارات الكهربائية، مرورًا بالأجهزة المنزلية والتطبيقات الرقمية، وصولًا إلى البنية التحتية والموانئ وشبكات النقل.
بين رخص الأسعار والتكيف مع مختلف الأسواق العالمية
في الواقع، لا يرتبط نجاح الصين بانخفاض الأسعار فقط، كما يعتقد كثيرون. فالسبب الحقيقي يكمن في قدرة الشركات الصينية على تصميم منتجات تتلاءم مع احتياجات كل سوق محلية، بدل فرض نموذج واحد على الجميع.
وهنا يبرز نموذج شركة Transsion، التي لاحظت منذ سنوات أن الهواتف العالمية لا تلائم المستخدمين في أفريقيا، فطورت أجهزة منخفضة الكلفة مزودة ببطاريات تتحمل انقطاع الكهرباء، ودعمٍ لشريحتي اتصال، إضافة إلى كاميرات صُممت خصيصًا لتحسين تصوير أصحاب البشرة الداكنة.
أما النتيجة، فكانت مذهلة، إذ إن ملايين المستخدمين الأفارقة وجدوا لأول مرة منتجًا صُمم لاحتياجاتهم، لا لاحتياجات المستهلك الغربي.
القوة الناعمة الصينية... من تيك توك إلى الدراما الصينية
ضع في اعتبارك أن النفوذ الصيني لم يعد يقتصر على تصدير السلع فقط. فقد لعبت وسائل الترفيه دورًا رئيسيًّا في صعود نجم بكين، من خلال منصات وسائل التواصل الاجتماعي مثل TikTok، وخدمات الموسيقى، وتطبيقات الفيديو القصير، والدراما الصينية، التي أصبحت تحقق انتشارًا واسعًا، خصوصًا في دول جنوب شرق آسيا.
والمثير أن جانبًا من هذا النجاح يعود إلى مراعاة الخصوصيات الثقافية للمجتمعات المحافظة، عبر إنتاج محتوى أقل جرأة من نظيره الأميركي، إضافة إلى دبلجته بلغات محلية، والاستعانة بممثلين محليين لإعادة إنتاج القصص الصينية.
وبناءً على ذلك، تشير البيانات (على ذمة المجلة) إلى وجود أكثر من 300 منصة بث تعمل في جنوب شرق آسيا، فيما تجاوزت تنزيلات محتواها مليار عملية تحميل.
وماذا عن تأثير "وولمارت"؟
تتحدث الدراسات عما يسمى "تأثير وولمارت"، أي تمكين أصحاب الدخل المحدود من شراء منتجات كانت خارج قدرتهم المالية. هكذا، لم يعد المستهلك في أفريقيا أو أميركا اللاتينية أو جنوب شرق آسيا يهتم كثيرًا بمصدر المنتج، بقدر اهتمامه بالسعر والجودة.
وعليه، ومع مرور الوقت، تحولت المنتجات الصينية إلى الخيار الافتراضي لمليارات الأشخاص، الأمر الذي جعل النفوذ الصيني يتغلغل في الأسواق من دون شعارات سياسية أو حملات دعائية.
محاولة مقاومة المدّ الصيني
مع سيطرة الصين على أسواق دول العالم النامي، بدأ عدد متزايد من هذه الدول ينظر بقلق إلى هذا التوسع. وتبعًا لذلك، فرضت فيتنام وإندونيسيا إجراءات لمكافحة الإغراق في صناعات مثل الصلب والسيراميك، بينما رفعت البرازيل الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية.
وبالمثل، أقر البرلمان المكسيكي زيادات جمركية على أكثر من 1400 سلعة، في حين فرضت جنوب أفريقيا متطلبات اعتماد جديدة على منتجات صينية، بينها المولدات والألواح الشمسية، بعد ربطها بإغلاق مصانع محلية وفقدان آلاف الوظائف.
في المحصّلة:
تبدو الصين اليوم أمام مفارقة لافتة. فشركاتها الخاصة تنجح في كسب ثقة ملايين المستهلكين أكثر مما نجحت الدبلوماسية الصينية طوال عقود، لكنها، في الوقت نفسه، تثير مخاوف متزايدة لدى الحكومات والصناعات المحلية التي ترى في هذا التوسع تهديدًا لقدراتها الإنتاجية واستقلالها الاقتصادي، وهذا بدوره قد يفتح نقاشًا عالميًّا جديدًا حول ما إذا كان العالم يشهد ولادة نموذج تنموي أكثر شمولًا، أم شكلًا جديدًا من أشكال الاعتماد الاقتصادي على الصين.
لذلك، فإن معركة بكين المقبلة قد لا تكون في إقناع المستهلكين بشراء منتجاتها، بل في استمالتهم إلى أن صعودها الاقتصادي لن يتحول إلى تبعية طويلة الأمد.

