عماد مرمل - خاصّ الأفضل نيوز
عادت المواجهة العسكرية إلى الاحتدام مجددا بين طهران وواشنطن بعد توقف محركات مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية التي يبدو أنها غرقت في مياه مضيق هرمز في انتظار أن ينتشلها الوسطاء ويحاولون إنعاشها مجددا.
وإذا كانت الخروقات السابقة لوقف إطلاق النار بدت محدودة ومتقطعة، فإنها هذه المرة اتخذت طابعا مختلفا من خلال تبادل الضربات الواسعة والمتلاحقة على امتداد أيام عدة، وإن تكن لم تصل بعد إلى حدود الحرب الشاملة، مع ما يحمله هذا اللعب على حافة الهاوية من مخاطر.
ومن المتوقع أن يعتمد الرئيس دونالد ترامب التصعيد المتدرج ضد إيران سعيا إلى مضاعفة جرعات الضغط عليها واستنزاف قدراتها، وبالتالي فإن الهجمات الأميركية على المناطق الإيرانية مرشحة للاستمرار والتصاعد كمّا ونوعا بالترافق مع معاودة فرض الحصار البحري عليها لخنقها اقتصاديا.
وبهذا المعنى، فإن ترامب سيحاول خوض الحرب بالتقسيط وبإيقاع مرتفع لكن محسوب، تفاديا لتداعيات الانزلاق إلى المواجهة الشاملة التي من شأنها أن تترك انعكاسات وخيمة على المنطقة والعالم، خصوصا بالنسبة إلى أسواق الطاقة والاقتصاد الإقليمي والدولي، إضافة إلى أن ترامب يأخذ في الحسبان أن هناك اعتراضات داخل المجتمع والكونغرس الأميركيين على خيار الحرب الواسعة، وبالتالي هو يفضل استبدالها بهجمات منهجية لأنها الأقل كلفة عليه في كل المجالات.
وتوحي واشنطن عبر نمط العمليات العسكرية الحالية، أنها استفادت من دروس حرب الأربعين يوما التي استعملت فيها قوة نارية مفرطة ومنفلشة وعشوائية، ما أدى إلى استهلاك الكثير من المخزون الحربي والزخم العسكري من دون تحقيق النتائج التي كانت تتوخاها.
ومع ذلك، فإن أحدا لا يستطيع ضمان بقاء الجولة الراهنة من القتال تحت السيطرة، خصوصا أن ترامب ليس اللاعب الوحيد ولا يمكنه التحكم منفردا بمسار المواجهة وحدودها، إذ إن طهران تملك أوراق قوة لم تلعبها بعد سواء على مستوى الخيارات العسكرية أو على مستوى الممرات البحرية في المنطقة، وهي ستجد نفسها ملزمة باستخدام بعضها اإذا لجأت الولايات المتحدة إلى قصف منشآت الطاقة أو الجسور الحيوية كما هدد ترامب في إطار سعيه إلى ابتزاز طهران وإخضاعها إلى إرادته.
ويضاف إلى ذلك، أن المواجهة الميدانية تصنع ديناميتها الخاصة على أرض الواقع وتختزن في داخلها قابلية التدحرج نحو نطاق أكبر بمعزل عما هو مخطط لها من قبل هذا الجانب أو ذاك، ما يترك كل الاحتمالات واردة.
والأرجح أن إيران لن تتحمل أن تبقى طويلا في موقع المتلقي ورد الفعل ولن تقبل بأن تظل واشنطن ممسكة بزمام المبادرة، بل هي ستسعى إلى كسر هذه المعادلة في التوقيت المناسب وتطوير ردودها خارج السياق النمطي المألوف.
والأكيد أن طهران لن تتخلى عن ورقة مضيق هرمز مهما اشتد الضغط العسكري والاقتصادي عليها ولن تسمح لواشنطن بانتزاعها منها، لسبب بسيط وهو أن هذا المضيق يشكل السلاح الوحيد القادر على تحقيق التوازن مع الولايات المتحدة وعلى التأثير في الملفات الأخرى لصالح طهران وحلفائها، ومن بينها الملف اللبناني.

