طارق الحجيري - خاصّ الأفضل نيوز
لم يعد ملف العفو العام مجرد بند مؤجل على جدول أعمال مجلس النواب، بل بات اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة اللبنانية على إقفال أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا؛ فرغم سنوات الانتظار الطويلة، يعيش آلاف السجناء وعائلاتهم على أمل تسوية قانونية عادلة، ما يجعل من هذا الملف قضية وطنية تتجاوز الحسابات السياسية والطائفية.
وقد عاد الملف إلى الواجهة بعد البيان الذي صدر باسم "سجناء لبنان" وطالب بالإسراع في إقرار قانون العفو وإنهاء سنوات الظلم، خاصةً أن العديد من الموقوفين يدفعون ثمن ملفاتٍ مُرّكبة وعدالة بطيئة إضافة إلى تعقيدات الانقسام السياسي الحاد.
إعدام مُقنَّع
بيان السجناء انتقد مسودة قانون إلغاء عقوبة الإعدام، فرأوا أن استبدالها بعقوبة "المؤبد المشدد" لا يلغي الإعدام بل يحوله إلى "إعدام مقنّع" داخل السجون، في ظل ظروف معيشية وصحية متردية وبائسة.
ورأى السجناء أن المشروع هو التفاف على المطالبة بتحديد سقف زمني لعقوبات المؤبد، كما انتقدوا إدراج بنود تتعلق بالعفو العام ضمن مشروع قانون إلغاء الإعدام، معتبرين أن ذلك يهدف إلى إفراغ قانون العفو من مضمونه.
وأشار البيان إلى تجاهل مطالب أهالي السجناء عند إعداد المسودة، رغم مشاركتهم في متابعة الملف لسنوات، ودعا النواب إلى عدم إقرار القانونين قبل معالجة الثغرات فيهما، كما ناشد الرؤساء والمرجعيات الدينية والحقوقية والإعلامية التدخل لإعادة النظر في المشروع، محذرًا من أن إقراره بصيغته الحالية سيكرس الظلم ويزيد معاناة آلاف السجناء وعائلاتهم.
ظلم واستهداف
ملف الموقوفين الإسلاميين من أكثر الملفات حساسية، كثيرون منهم أمضوا سنوات طويلة في السجون يرون أنّ أحكامهم "مُضخّمة وانتقامية" ويطالبون بإعادة النظر فيها، فيما قضايا آخرين لا زالت تدور في فلك التسويف والتأجيل.
من هنا، فإن أيّ قانون للعفو العام يفقد جدواه، إذا تجاهل هذا الملف الشائك، خاصة أنّه يُعتبر أحد أبرز أسباب الاحتقان لدى شريحة واسعة من اللبنانيين.
إن النظر في ملف العفو العام لا ينبغي أن يكون بعينٍ سياسية أو طائفية، بل بعين الدولة التي تسعى إلى ترسيخ قيم العدالة، وإنهاء القضايا العالقة وفق أحكام القانون ومتطلبات المصلحة العامة؛ فالحلول المتوازنة تحترم حقوق الضحايا وتراعي في الوقت نفسه مبادئ العدالة والإنصاف.
في ظل الظروف الأمنية والسياسية والاجتماعية الدقيقة التي يمر بها لبنان، تبدو الحاجة ملحة إلى خطوات مسؤولة تخفف أسباب التوتر وتمنع تراكم الاحتقان، لذلك فإن إقرار قانون عفو عادل ومدروس، ضمن ضوابط قانونية واضحة، يُشكِل مدخلًا لتعزيز الاستقرار الداخلي وإقفال أحد أكثر الملفات إلحاحًا، بدل إبقائه مفتوحًا بما يزيد من التوترات التي لا يحتاجها لبنان في هذه المرحلة المفصلية؛ فالعفو العام في إطار العدالة وسيادة القانون، لن يكون انتصارًا لفئة على أخرى، بل فرصة وطنية لترميم الثقة بالدولة، وطي صفحة طال انتظار إقفالها، بما يحفظ السلم الأهلي ويعزز الاستقرار.

