محمد علوش - خاص الأفضل نيوز
من الضروري مصارحة اللبنانيين ببعض ما يُطرح فعليًا في مسار المفاوضات، بعيدًا عن العناوين العامة التي توحي بأن النقاش يدور فقط حول انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة. فالصورة التي يجري تسويقها للرأي العام تختلف، في جوانب أساسية، عن مضمون الطروحات التي يحملها الجانب الإسرائيلي، والتي تكشف أن الهدف لا يقتصر على معالجة نقاط الاحتلال الحالية، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إعادة رسم واقع أمني جديد في جنوب لبنان.
في الظاهر، تُقدَّم فكرة "المناطق التجريبية"، بحسب مصادر مطلعة، على أنها آلية مرحلية لتسهيل الانسحاب الإسرائيلي، إلا أن مضمون الطرح الإسرائيلي يكشف أهدافًا مختلفة تمامًا، فبحسب ما يجري تداوله في إطار المفاوضات، فإن المناطق التي يصنفها العدو كمناطق تجريبية لا تشمل، في معظمها، المواقع التي تحتلها قواته حاليًا، بل تمتد، بمعظمها، بما يقارب ثمانين في المئة منها، إلى بلدات ومناطق لبنانية غير خاضعة للاحتلال أساسًا، تقع جنوب نهر الليطاني بين الخط الأصفر والنهر، ولا سيما في محيط زوطر ومناطق مجاورة.
وتحمل هذه النقطة دلالة مهمة، لأنها تعني عمليًا أن إسرائيل تتعامل مع فكرة المناطق التجريبية كوسيلة لاختبار ترتيبات أمنية داخل أراضٍ لبنانية لا تخضع أصلًا لسيطرتها العسكرية.
أما المناطق الواقعة عند ما تعتبره إسرائيل "الخط الأصفر"، فهي، وفق هذا الطرح، لا تدخل ضمن فكرة المناطق التجريبية، ما يعكس رغبة إسرائيلية في الإبقاء عليها خارج أي نقاش مرحلي يتعلق بالانسحاب.
وتشير المصادر، عبر "الأفضل"، إلى أن هذا الأمر لا يتوقف عند حدود الجغرافيا فقط، بل يمتد إلى طبيعة الآليات التي تسعى إسرائيل إلى فرضها. فالطرح الإسرائيلي يتضمن إنشاء لجنة ثلاثية تضم إسرائيل والولايات المتحدة وطرفًا ثالثًا يتم الاتفاق عليه مع لبنان، بحيث تتولى هذه اللجنة الإشراف على أداء الجيش اللبناني في المناطق المشمولة، والتحقق من تنفيذ الإجراءات الأمنية، وإجراء تقييمات دورية لمدى الالتزام بها.
وهذا البند يثير إشكاليات كبيرة، لأن معناه العملي يتمثل في منح إسرائيل دورًا مباشرًا، ولو بصورة غير مباشرة أو عبر آلية مشتركة، في مراقبة أداء مؤسسة عسكرية لبنانية داخل الأراضي اللبنانية، وهو ما يشكل سابقة تمس بمبدأ السيادة، وتفتح الباب أمام تدخل دائم في تفاصيل العمل الأمني والعسكري للدولة اللبنانية.
وتكشف المصادر أيضًا أن الطرح الإسرائيلي لا يكتفي بالمراقبة والتقييم، بل يتضمن أفكارًا تتصل بهيكلية وانتشار الوحدات العسكرية العاملة جنوب الليطاني، بما يعني أن تل أبيب تسعى إلى أن يكون لها رأي في شكل تموضع الجيش اللبناني، وآليات عمله، وهوية أفراده في تلك المنطقة، وليس فقط في نتائج أدائه الأمني.
أما الإطار الزمني المقترح، فلا يبدو قصيرًا كما قد يُفهم من تسمية "الفترة التجريبية"، إذ تعتبر إسرائيل أن هذه المرحلة تحتاج إلى مدة لا تقل عن أربعة وعشرين شهرًا، وهي فترة طويلة نسبيًا تسمح بتحويل الإجراءات المؤقتة إلى أمر واقع، خصوصًا إذا ارتبطت بتقارير دورية تصدرها اللجنة المشرفة، وما قد يترتب عليها من مطالب أو شروط إضافية.
ومن هنا، فإن جوهر النقاش بالنسبة لإسرائيل يتعلق بطبيعة النموذج الأمني الذي تسعى إسرائيل إلى فرضه في جنوب لبنان. فبدلًا من أن يكون الانسحاب هو الخطوة الأولى التي تسبق أي ترتيبات لاحقة، يبدو أن الطرح الإسرائيلي يعكس مقاربة معاكسة، تقوم على إيجاد منظومة أمنية جديدة داخل الأراضي اللبنانية أولًا، وربط أي انسحاب مستقبلي بنتائج هذا الاختبار وتقييماته.
لذلك، فإن ما يُطرح يمس بصورة مباشرة قضايا السيادة، ودور الجيش اللبناني، وآلية إدارة الأمن في الجنوب، وحدود الدور الذي تسعى إسرائيل إلى الاحتفاظ به حتى بعد أي انسحاب محتمل، دون المس بالمنطقة الأمنية العازلة التي تتركها إسرائيل خارج كل الطروحات.

