عفيف دياب - خاص الأفضل نيوز
(1)
اعتادت أمي، كلما نزحت، أن تحمل معها شتلاتٍ من وردها الجوري من أحواض بيتنا الجنوبي في كفرشوبا.
كانت تعرف أن البيوت مؤقتة، لكن الورد وحده يستحق أن يرافقها في كل المنافي.
في كل منزلٍ جديد، كانت تغرس شتلاتها في أحواض الإسمنت، أو في علب الحليب الفارغة، كأنها تزرع شيئًا من البيت الأول، وتؤجل الخراب.
ومنذ العام 1970، صار النزوح عند أمي دفترَ أعمارٍ لا ينتهي: "تهجّرنا أول مرة إلى بعلول في البقاع الغربي. عدنا، ثم نزحنا إلى الخيام. عدنا ثانيةً إلى مرجعيون، ثم إلى كفرشوبا، قبل أن نرحل إلى المنارة في البقاع الغربي.
وبعدها إلى النبطية، ومنها إلى البقاع الغربي مجددًا.
وفي كل مرة كنا نعود لنرمم ما تهدّم، قبل أن يسبقنا نزوحٌ جديد".
أسألها:
كم مرة نزحنا يا أمي؟
تحاول العدّ، ثم تتعب.
تضحك قليلًا، وتقول:
"نسيتُ واحدة... عدنا إلى الضيعة، ثم نزحنا منها للمرة الثلاثين إلى شتورة".
أقول لها:
ثلاثون نزوحًا... وثلاثون شتلة ورد؟
فتجيبني:
"بل أكثر. في أحواض بيتنا أكثر من ثلاثين نوعًا من الورد، وأكثر من ثلاثين غربة".
ثم تسكت قليلًا، كأنها تستعيد أعمارها كلها دفعةً واحدة، وتقول:
«النزوح الواحد، يا أمي، يعادل ثلاثين سنة... خلّص، أوجعتَ رأسي من العدّ».
(2)
يكفي أن يبعث إليك أبناء أختك المهاجرون صورةً قديمة، التُقطت في بيروت قبل عشرة أعوام، حتى تنهض من بين ألوانها مدينةٌ كاملة، ويجلس إلى جانبك سؤالٌ ثقيل، بلا جواب.
سؤالٌ يسكن كل بيتٍ لبناني: لماذا يرحل أولادنا، ويبقى الوطن وحيدًا؟
في عائلتنا الصغيرة اثنا عشر حلمًا: تسعة شبان وثلاث فتيات. عشرة منهم عبروا بوابات الجامعات، وقريبًا يعلّق أحدهم شهادته الهندسية، فيما يمضي آخر العنقود في الطريق نفسه.
لكن... كم واحدًا بقي هنا؟
ألبرتو، المهندس الزراعي، يزرع القمح في كندا، فيما تنتظر حقول بلاده من يوقظ ترابها. ونور، المهندس الكهربائي، يضيء مستقبلًا في الإكوادور، تاركًا عتمةً لا تخصه وحده. وفيدال وفراس يبنيان صناعاتٍ في بوركينا فاسو، بينما المصانع التي كان يمكن أن تحتضنهما لا تزال تؤجل أحلامهما. وفي الخليج العربي، ينقّب رامي عن النفط، وتصمم جنى، ويعمل محمد في العقارات، وكلٌّ منهم يضيف حجرًا إلى عمران بلادٍ أخرى.
أما بشار، الاقتصادي، فما زال يحمل سيرته الذاتية من سفارةٍ إلى أخرى، يتخذها وسادةً لحلمٍ مؤجل. ويحيى، المهندس، يحاول أن يغزو الشمس بآلةٍ من صنع يديه، فيما وطنه ما زال يبحث عن ضوء. وليو يستعد للتخرج مهندسًا للروبوتات الجراحية، وريتا تتهيأ لدراسة الإخراج في روما، ولن نفشي أسرار فاديا النووية قبل أن تلحق بقافلة الرحيل في آخر الصيف.
ليست هذه حكاية عائلتنا وحدها. إنها سيرة وطنٍ يزرع أبناءه في خرائط العالم كما تُزرع البذور، لكنه لا يحصد إلا البيوت الفارغة، والكراسي الناقصة حول المائدة، وصورًا قديمة تذكّرنا بأن لبنان صار يتسع للذكريات أكثر مما يتسع لأبنائه.
(3)
كتبت شقيقتي من خلف البحار:
ـ آتيةٌ أنا من هجرةٍ طالت... أما زلتَ في البلاد؟
-البلاد تسكنني، وإن هجرتني!
-أما تعبتَ من عبثية الاحتراب في بلادك؟
-يتحاربون على البلاد، ويجترّون موتهم... لا موتنا.
-عبثًا تقول!
- ربّما...
- ربّما؟
- نعم... فما عاد في هذه البلاد يقينٌ إلا "ربّما'.
(4)
في الختام:
وأنت عائد إلى الجنوب، اتركْ قلبك يتقدّم خُطاك.
تذكّر أن ربيعه لم يكتمل بعد، وأن الطيّون ما زال يحرس عتبات البيوت.
تذكّر أن الشوح يرفع على التلال مناديل أمهاتنا.
وأنت عائد إلى الجنوب، احملْ معك ما تبقّى من رائحة أهله؛ رائحة الخبز والقهوة والتراب بعد المطر.
وأنت عائد إلى الجنوب، لا تنسَ ما جرى، ولا من هدم، ولا من باع، ولا من اشترى.
لا تنسَ بنت جبيل، وعيترون، والخيام، وكفرشوبا، وميس الجبل، والناقورة، ومروحين، ومرجعيون، وراشيا الفخار؛ فهذه الأسماء ليست بلداتٍ فحسب، بل فصولٌ من حكايتك.
وأنت عائد إلى الجنوب، تذكّر أن الأرض تعرف أصحابها، وأن البلاد لأهلها.

