نبيه البرجي - خاص الأفضل نيوز
الكاتب الإسرائيلي ديفيد غروسمان، الذي تُرجمت مؤلفاته إلى 30 لغة، والذي أقرّ بـ"الإبادة الجماعية" في غزة، سأل: "هل يحوّل دونالد ترامب بنيامين نتنياهو إلى هيكل عظمي؟". واعتبر أن الدولة العبرية ستظل تدور داخل تلك الحلقة الدموية "التي لا بد أن تُطبق علينا ذات يوم"، ما دامت تعتبر أن الفلسطينيين، ككائنات بشرية، غير موجودين على سطح الأرض. لا قضية لهم ولا دولة.
"في نهاية المطاف، لا قضية لنا ولا دولة. هذا ما قد يصل بنا إلى تلك اللحظة، وحيث البكاء عند حائط المبكى"!
غروسمان، الذي كتب عن فلسطينيي الضفة: "نائمون على سلك رفيع"، رأى أن نتنياهو، الذي صعد على السلم السياسي إلى منصب رئيس الوزراء، لا يزال يراهن على كمية الجثث التي يحملها على ظهره للبقاء على العرش، ولكن ليفاجأ بكونه "الصعود إلى الجحيم". قد يكون باستطاعته، وعبر المراوغة الدبلوماسية، ألّا يكترث بدعوة ترامب إلى الانسحاب من لبنان وسوريا، وذلك من خلال التذرع بأن "المناطق الآمنة" تشكل صمام الأمان لسكان الجليل. ولكن إلى متى؟
تعليقات لا تُحصى في وسائل الإعلام الأميركية بدأت ترى في نتنياهو اللاعب الغبي الذي وضع يهود العالم أمام "المحرقة الأخلاقية". سياساته الدموية أدت إلى تعرية إسرائيل حتى من العباءة التوراتية، لتأتي الوفاة المفاجئة لليندسي غراهام، وكأنها الضربة الصاعقة على الرؤوس. الإسرائيليون كانوا ينظرون إلى سناتور كارولينا الجنوبية بأنه "الدرع الحديدي"، ليكتب يسرائيل كهانا في صحيفة "إسرائيل هيوم" أن غراهام يُعدّ بين أعضاء كثر في مجلس الشيوخ يدعمون إسرائيل. لكنه وحده جعل من ذلك "رسالة حياة".
من سنوات، قال الوزير الراحل (2015) يوسي ساريد في نتنياهو: "لا بد أن يحين ذلك اليوم الذي يرشقه فيه الإسرائيليون بالحجارة". الآن يتردد على مواقع التواصل: "إنه الرجل الذي يرتجف بين يدي دونالد ترامب". استطلاعات الرأي التي قامت بها القناة 12 أظهرت أن حزب "يشار" الذي يتزعمه غادي آيزنكوت يتقدم بمقعد واحد على حزب الليكود، وإن كانت النتائج لا تمكّن أياً من المعسكرين من تأليف الحكومة العتيدة، ما يمكن أن يضع إسرائيل أمام أزمة سياسية طويلة ومعقدة في فترة تتسم بالحساسية السياسية والعسكرية البالغة الأهمية.
هنا الرهان على اختراق الائتلاف الحالي. وقد يكون ذلك عبر حزب "شاس"، بزعامة الحاخام يتسحاق يوسف، الذي وصف نتنياهو بـ"الكاذب الذي لا يمكن لأحد الاعتماد عليه"، ليرى في آيزنكوت "الشخص الجيد واليهودي الدافئ الذي يحبه من يدرسون التوراة"، آملاً في أن تساند كتلته رئيس الأركان السابق. والطريف قوله: "إن من المحتمل أن يصبح آيزنكوت متديناً، دون أن يوجد أي احتمال ليكون نتنياهو كذلك"، في حين تتحدث صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن "الحالة الهيستيرية التي يمر بها زعيم الليكود بسبب نتائج استطلاعات الرأي".
إذ يرى معلقو المعارضة أن نتنياهو سقط، مبدئياً، من الأجندة الأميركية، يلاحظ معلقون آخرون تركيزهم على عملية توثيق العلاقات الأميركية - التركية، ما عكسه اللقاء الأخير بين دونالد ترامب ورجب طيب أردوغان، الذي لا بد أن يكون قد نقل إليه رأيه بأن بقاء نتنياهو في منصبه ليس، في أي حال، من مصلحة الولايات المتحدة، ثم إن الموافقة على تزويد الجيش التركي بطائرات "F-35" إنما تعني أن الدور التركي في الشرق الأوسط سيكون أكثر فاعلية من الدور الإسرائيلي.
هيئة البث الإسرائيلية قالت: "إن حالة من القلق تسود المؤسسة الأمنية في البلاد" (ماذا عن المؤسسة السياسية؟)، حيال ما وصفته بـ"ترسيخ تركيا وجودها في سوريا... وعندما يتعلق الأمر بوجود دولة تمتلك أسلحة استراتيجية على حدودنا، فهذا يعدّ تطوراً يستدعي المراقبة والاستعداد".
دراسات كثيرة تصدر عن معاهد البحث الإسرائيلية، وفيها مخاوف من تنامي الدور الجيوسياسي التركي، خصوصاً بعد قول أردوغان: "إن الأمن الاستراتيجي لبلادنا لا يبدأ من هاتاي، وإنما من حلب ودمشق وبيروت". الدراسات تتوجس كثيراً من الرئيس التركي، من خلال استعادة العلاقات التي سادت بين أنقرة وتل أبيب منذ أن اعترف عصمت إينونو بالدولة العبرية في 28 آذار 1949، و"التي تحولت الآن إلى حطام"!
ما زاد في الهلع الإسرائيلي المعلومات التي تتردد لدى الأوساط الدبلوماسية حول إقامة منظومة اقتصادية تضم تركيا وكلاً من لبنان وسوريا والعراق، تشكل مسألة الغاز وتسويقه دولياً العمود الفقري للمنظومة، في مواجهة المشروع الإسرائيلي، ما يعتبر تحدياً استراتيجياً بالغ الحساسية للدولة العبرية.
في كل الأحوال، هل يمكن للشرق الأوسط البقاء داخل تلك الدوامة الدموية، وحيث تُشاهد الحرائق في كل حدب وصوب؟
الجواب لدى المؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند: "متى يبتعد عنا ذلك الرجل الذي يدفعنا أكثر فأكثر نحو المحرقة...؟"
ولكن ينبغي التوقف عند كلام نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الكلام الخطير الذي يقال للمرة الأولى من البيت الأبيض، اتهامٌ لإسرائيل بـ"محاولة التأثير في السياسة الأميركية وسعيها لإفشال المفاوضات بين واشنطن وطهران"، ليشير إلى تراجع شعبيتها في الولايات المتحدة، ناهيك عن حديثه عن علاقة جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية، بالموساد...
كلام هزّ الدولة العبرية، ليطرح السؤال الكبير: "هل هي بداية النهاية للعلاقات المقدسة بين أميركا وإسرائيل؟"

