ندى أندراوس _خاص الأفضل نيوز
في البيت الأبيض، كثيراً ما يسبق دونالد ترامب ضيفه إلى صناعة الخبر. عبارة مرتجلة، إشارة غير متوقعة، أو مشهد خاطف أمام الكاميرات، كفيل بأن يطغى على جدول أعمال أُعدّ على مدى أسابيع. وحين يدخل الرئيس جوزاف عون المكتب البيضاوي الثلاثاء، لن تكون الأنظار مشدودةً إلى مضمون المباحثات وحده، بل أيضاً إلى الطريقة التي سيقدّمه بها الرئيس الأميركي وإلى الرسالة التي سيختار إطلاقها من بوابة اللقاء.
لكن خلف الصورة المنتظرة ما هو أبعد من بروتوكول الاستقبال. فالزيارة تعيد رئيساً لبنانياً إلى البيت الأبيض للمرة الأولى منذ عهد ميشال سليمان العام 2009، وفي توقيت باتت فيه واشنطن اللاعب الخارجي الأكثر حضوراً في إدارة الملف اللبناني، من المفاوضات مع إسرائيل إلى الترتيبات الأمنية في الجنوب ومستقبل الجيش وإعادة تثبيت سلطة الدولة.
ولم يأتِ اللقاء من فراغ. سبقه تواصل مباشر بين عون وترامب، كما مهدت له جولة روما الأخيرة التي سعت الإدارة الأميركية إلى دفعها نحو خطوات قابلة للتنفيذ. ومن هنا، يصل الرئيس اللبناني إلى واشنطن حاملاً ملفاً تتداخل فيه السياسة بالأمن والاقتصاد، فيما يترقب لبنان ما إذا كان الاهتمام الأميركي سيتحول من إدارة الأزمة إلى إنتاج تسوية فعلية.
وفي صدارة الأولويات الرئاسية يأتي الجنوب، حيث لا تكمن المسألة في تثبيت وقف إطلاق النار فحسب، بل في بناء مسار متكامل يعيد للدولة سيادتها الفعلية على أرضها. فبيروت تسعى إلى انتزاع التزام واضح بوقف الاعتداءات، والدفع نحو انسحاب إسرائيلي يتيح للجيش اللبناني استكمال انتشاره وتولي مسؤولياته الميدانية، بما يحول دون بقاء الجنوب عالقاً في منطقة رمادية بين هدنة هشة ومواجهة قابلة للتجدد.
ومن وجهة نظر الرئاسة، يشكل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش شرطين متلازمين لعودة الأهالي إلى قراهم، ولا سيما في المناطق التي لا تزال تعاني تداعيات الحرب والدمار، ولإطلاق ورشة إعادة إعمار تحتاج بدورها إلى غطاء سياسي وتمويل دولي. ولهذا يطرح عون في واشنطن أيضاً ملف المؤسسة العسكرية، انطلاقاً من أن تكليف الجيش بمهمات أوسع لا يمكن أن ينفصل عن تأمين احتياجاته. فالمطلوب تثبيت برامج المساعدة الأميركية وتعزيز قدراته البشرية واللوجستية والتقنية، إلى جانب حشد دعم دولي أوسع، وصولاً إلى مؤتمر مخصص لمساندته في مهمة بسط سلطة الدولة وحماية الاستقرار .
أما اقتصادياً، فيدخل عون البيت الأبيض ولبنان لا يزال يبحث عن الثقة قبل الأموال. ثقة يحتاج إليها لاستقطاب الاستثمارات واستعادة الدعم الدولي ومواكبة مسار الإصلاح والنهوض المالي.
ولذلك، لن تنحصر الرحلة بلقاء ترامب. فالبرنامج الموازي، بما يتضمنه من اجتماعات مع مسؤولين أميركيين وشخصيات مؤثرة في دوائر القرار ومراكز الأبحاث، يعكس محاولة لبناء شبكة دعم تتجاوز لحظة القمة نفسها، بعد عمل دبلوماسي مكثف تولته السفارة اللبنانية في واشنطن بالتنسيق مع بعبدا.
قد يصنع ترامب العنوان الأول للزيارة بكلمة أمام الكاميرات، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ بعد انطفاء العدسات. فالزيارات الرئاسية تُقاس بنتائجها لا بصورها، ونجاح الرئيس جوزاف عون في واشنطن لن يُختصر بما يسمعه من ترامب، بل بما يعود به إلى بيروت من التزامات تساعد الدولة على استعادة أرضها وقرارها ودورها.

