طارق ترشيشي - خاص الأفضل نيوز
يدخل لبنان هذا الأسبوع واحداً من أكثر الاستحقاقات السياسية حساسية منذ وقف الأعمال العدائية في الجنوب، مع انعقاد القمة المرتقبة في البيت الأبيض غداً بين رئيس الجمهورية العماد جوزف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب، في وقت تتداخل الملفات اللبنانية مع التحولات الإقليمية المتسارعة، من استمرار المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى تعثر تنفيذ الترتيبات الأمنية على الحدود الجنوبية، مروراً بالعودة السعودية إلى المشهد اللبناني من بوابة دعم الدولة ومؤسساتها.
وللمرة الأولى منذ سنوات، يحظى الملف اللبناني بمقاربة دولية مختلفة، عنوانها الانتقال من إدارة الأزمات إلى محاولة إنتاج تسوية مستدامة تقوم على تثبيت سلطة الدولة اللبنانية، واستكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وفتح الباب أمام مرحلة إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي. غير أن هذا المسار لا يزال يصطدم بعقبات داخلية وإقليمية تجعل نجاحه رهناً بتوازنات معقدة تتجاوز الحدود اللبنانية.
وتقول أوساط ديبلوماسية إن المواقف التي تسبق لقاء عون وترامب لا تترك مجالاً كبيراً للاجتهاد في فهم أولويات الإدارة الأميركية. فاجتماع الرئيس اللبناني بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، قبيل لقاء البيت الأبيض، حمل رسائل سياسية واضحة، سواء من خلال وصف الأخير الاجتماع بأنه "إيجابي جداً"، أو عبر تأكيده أن الولايات المتحدة تتعامل مع الحكومة اللبنانية الشرعية، وليس مع حزب الله أو إيران. ففي هذا البيان الأميركي الرسمي، برز تشديد غير مسبوق على دعم الحكومة اللبنانية في استعادة سيادتها، ونزع سلاح حزب الله، وتفكيك بنيته العسكرية، باعتبار ذلك جزءاً من تنفيذ إطار العمل الثلاثي الذي رعته واشنطن بين لبنان وإسرائيل.
لكن الرئيس عون، وفق مصادر مواكبة، دخل المفاوضات من زاوية مختلفة، إذ تمسك بضرورة أن تكون الخطوة الأولى إسرائيلية، عبر الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، باعتبار أن أي حديث عن ترتيبات أمنية جديدة يفقد صدقيته إذا استمرت إسرائيل في احتلالها لقسم من الأراضي الجنوبية، وفي خرقها المتواصل لوقف إطلاق النار. وأحد أبرز الملفات التي ستطرح خلال لقاء البيت الأبيض يتعلق بما بات يعرف بـ"المناطق النموذجية"، وهي صيغة تهدف إلى إطلاق تطبيق تدريجي للترتيبات الأمنية في الجنوب. غير أن الخلاف لا يدور حول المبدأ، بل حول نقطة الانطلاق.
فالطرح اللبناني يقوم على أن تبدأ التجربة من المناطق التي تحتلها إسرائيل، بما يفرض عليها الانسحاب أولاً، ثم ينتشر الجيش اللبناني فيها، فتصبح الدولة هي المرجعية الأمنية الوحيدة. أما إسرائيل، فتريد البدء من مناطق ينتشر فيها الجيش اللبناني أصلاً، بما يمنحها فرصة اختبار قدرة الدولة على منع أي نشاط عسكري لحزب الله قبل تقديم أي تنازل ميداني. وهذا التباين يعكس جوهر النزاع السياسي القائم اليوم، إذ يحاول كل طرف فرض تفسيره الخاص للاتفاق الذي رعته واشنطن.
وعلى الرغم من الحديث الأميركي المتكرر عن ضرورة تنفيذ الاتفاق، لا تزال إسرائيل تتعامل بحذر شديد مع أي انسحاب من الجنوب اللبناني. فالخروقات الجوية والبرية التي ترتكبها يومياً لم تتوقف، كما أن انسحابها من المناطق المحتلة لا يزال مؤجلاً، ربما إلى ما بعد انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول المقبل، الأمر الذي يثير شكوكاً لبنانية حول مدى استعدادها للالتزام الكامل بتعهداتها.
ويرى بعض الأوساط الديبلوماسية أن الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى استخدام هذه المناطق كورقة ضغط في أي مفاوضات لاحقة، خصوصاً في ظل استمرار المخاوف الإسرائيلية من إعادة تموضع حزب الله جنوب الليطاني.
وفي المقابل، لا يخفي حزب الله اعتراضه على مخرجات إطار العمل اللبناني ـ الإسرائيلي، معتبراً أن أي ترتيبات تُطرح برعاية أميركية تهدف في النهاية إلى تحقيق ما عجزت عنه إسرائيل في الحرب، أي تقويض معادلة المقاومة ونزع سلاحها. ويرى الحزب أن الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة لا يمكن فصله عن استمرار الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات اليومية. كذلك يربط الحزب أي نقاش داخلي بالتطورات الإقليمية، ولا سيما على مستوى العلاقة بين واشنطن وطهران. وهنا تكمن إحدى أكبر مشكلات المرحلة المقبلة، إذ إن الدولة اللبنانية تجد نفسها أمام فرصة للحصول على دعم سياسي واقتصادي غير مسبوق، لكنها في الوقت نفسه تواجه اعتراض حزب الله وحلفائه على مخرجات الاتفاق الإطاري الذي وقعته مع إسرائيل، لأنهم يجدون فيه تقويضاً للسيادة اللبنانية، ويعطي إسرائيل ما عجزت عن أخذه بالحرب.
ولكن، في موازاة الحراك الأميركي، حمل الاتصال بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس عون، أثناء وجود الأخير في واشنطن، أكثر من رسالة.
فالدعم السعودي لم يأتِ هذه المرة بصيغة عامة، بل ارتبط مباشرة بخيارات رئيس الجمهورية في تعزيز سيادة لبنان واستقلاله وسلامة أراضيه، مع تأكيد استعداد المملكة للمساعدة في مختلف المجالات التي تحتاجها الحكومة اللبنانية. كما أن الدعوة الرسمية التي وجهها ولي العهد السعودي للرئيس عون لزيارة الرياض توحي بأن المملكة تستعد لمرحلة جديدة من الانخراط في الملف اللبناني، لكن من خلال الدولة ومؤسساتها، وليس عبر التسويات التقليدية التي حكمت العلاقة خلال العقود الماضية. ويبدو واضحاً أن الرياض وواشنطن تتقاطعان اليوم عند نقطة أساسية: لا مساعدات واسعة ولا استثمارات كبرى قبل تثبيت سلطة الدولة، وإنجاز الإصلاحات، وضمان الاستقرار الأمني.
على أن المفارقة هي أن لبنان يقف اليوم أمام فرصة قد لا تتكرر بسهولة. فهناك دعم أميركي واضح لرئاسة الجمهورية، واستعداد سعودي للعودة إلى الاستثمار في لبنان، وتوافق دولي على ضرورة إنقاذ الاقتصاد، مقابل تراجع الاهتمام الدولي بأزمات المنطقة الأخرى. لكن هذه الفرصة تبقى مشروطة بعاملين أساسيين: الأول، قدرة الولايات المتحدة على إلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة ووقف الخروقات. والثاني، قدرة الدولة اللبنانية على إدارة حوار داخلي يفضي إلى احتكارها القرارين الأمني والعسكري من دون دفع البلاد نحو مواجهة داخلية جديدة.
ثلاثة سيناريوهات
وفي ضوء كل هذه المعطيات، تبرز السيناريوهات المحتملة الآتية:
-السيناريو الأول، وهو الأكثر تفاؤلاً، يتمثل في نجاح لقاء عون وترامب في تثبيت تفاهم سياسي يفضي إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي، وانتشار كامل للجيش اللبناني، وإطلاق ورشة اقتصادية دولية تعيد الثقة بلبنان.
-السيناريو الثاني، يقوم على استمرار المماطلة والعرقلة الإسرائيلية، مع بقاء الاعتداءات، وتعثر تنفيذ الاتفاق بسبب رفض حزب الله وحلفائه له، وهو ما يعني بقاء الجنوب في حالة الـ"لاحرب ولا سلم"، واستمرار لبنان رهينة الاشتباك الأميركي ـ الإيراني.
-السيناريو الثالث، وهو الأخطر، يرتبط بتوسع دائرة التصعيد القائم بين واشنطن وطهران، أو حصول تصعيد كبير بين حزب الله وإسرائيل، بما يعيد خلط الأوراق ويطيح بكل المسار التفاوضي الجاري.
ولذلك تتوقع الأوساط الديبلوماسية أن تشكل الأسابيع المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة لبنان على الانتقال من موقع الساحة إلى موقع الدولة. فلقاء واشنطن بين عون وترامب قد يفتح نافذة جديدة أمام تثبيت السيادة واستعادة الثقة العربية والدولية، لكنه لن يكون كافياً إذا لم يقترن بانسحاب إسرائيلي فعلي، ووقف الخروقات، وإرادة لبنانية جامعة لوضع المصلحة الوطنية فوق حسابات المحاور. ذلك أن لبنان يقف اليوم بين مشروعين: مشروع الدولة الذي يحظى بدعم عربي ودولي متزايد، ومشروع إبقاء البلاد ضمن ساحات النزاع الإقليمي. وما ستسفر عنه التطورات الجارية سيحدد أي المشروعين سيكون عنوان المرحلة المقبلة في لبنان، وعلى مستوى المنطقة.

