نبيه البرجي - خاص الأفضل نيوز
في أول كانون الأول عام 2018، ألقى ضابط الاستخبارات الأميركي السابق، وخبير الاستراتيجيا العسكرية في معهد الدراسات التابع لكلية الحرب الأميركية، ماكس مانوارينغ، محاضرة في تل أبيب، بحضور ضباط كبار من إسرائيل وحلف الأطلسي، دعا فيها إلى التخلي عن الحروب الكلاسيكية والاتجاه إلى "حرب الجيل الرابع"، التي تقوم على إنهاك الدولة المعادية، ودفعها نحو التآكل البطيء، بحيث يتحول الناس إلى "قطعان هائمة"، لتأتي الضربة الأخيرة.
الخلاصة: "دع عدوك يستيقظ ميتًا"!
الكثير كتب عن تلك النظرية التي أثارت انتباه كبار المخططين الاستراتيجيين في الولايات المتحدة، وقد راحوا يستعيدون التجربة المريرة، إن في فيتنام أو في أفغانستان، وحيث كان الخروج تحت جنح الظلام مما دعاه الجنرال ديفيد بترايوس "استراتيجية المستنقعات". هنا نلاحظ كيف أن الرئيس الأميركي انتقل من النظرية الإسرائيلية بالضربات القاضية لتقويض النظام في إيران إلى نظرية الاستنزاف (والحصار)، التي لا بد أن تزيد في حدة الاحتقان الاقتصادي والمعيشي كسبيل للانفجار الداخلي، تاليًا زعزعة النظام وحتى سقوطه، وإن كان هناك من حذر من التداعيات الفوضوية لمثل هذا السقوط على المسار الجيوسياسي والجيوستراتيجي لدول المنطقة.
وهذا ما كانت تراهن عليه إدارة الرئيس السابق جو بايدن لتفكيك الاتحاد الروسي من خلال استثارة فلاديمير بوتين وانزلاقه إلى الحرب، بالتركيز على انضمام أوكرانيا، بالتداخل الجغرافي والتاريخي مع روسيا، إلى حلف الأطلسي، ما يعني، وكما قال منظّر "الجيوبوليتيكا" الروسي ألكسندر دوغين، "نصب صواريخ كروز الأميركية على أسوار الكرملين". لكن المقارنة قد تكون مستحيلة في هذا المجال بين إيران وروسيا، بالترسانة النووية الهائلة: ما بين 5000 و5800 رأس نووي، بينها 800 رأس على صواريخ عابرة للقارات، وكذلك على منصات الإطلاق، ما يجعل الكرة الأرضية أمام احتمالات وجودية إذا ما اقتربت الرؤوس من "اللحظة النووية".
في الحالة الأميركية - الإيرانية، إنه الشرق الأوسط، الذي طالما قيل إنه يعاني من الفائض التاريخي والفائض الاستراتيجي، بتلك القابلية المروعة للانفجار، ما يعني أن الخيار التفاوضي هو الخيار المثالي. وهذا ما يؤكده الكاتب التركي كمال أوزوتوك.
ولكن بعد كل الذي حصل، هل يمكن للأميركيين وللإيرانيين العودة إلى الطريق الدبلوماسي لتنفيذ بنود "مذكرة التفاهم"؟
بحسب أوزوتوك، إن نحو نصف قرن من الصراع اليومي لا بد أن يحتاج إلى مدة طويلة لإعادة بناء الثقة، ما كان يفترض أن يكون البند الأول في المذكرة، إذ لا يمكن تطبيق أي اتفاق، خصوصًا إذا كان متعدد الأبعاد، من خلال تبادل الشكوك. الفرنسي شارل تاليران (الشيطان الأعرج)، وأحد قطبي مؤتمر فيينا (1815)، مع المستشار النمساوي كليمنت ميترنيخ، قال: "من المستحيل الدخول إلى ردهة المفاوضات ونحن نجر الجثث وراءنا أو نحملها على ظهورنا". "الدخول إلى القاعة بتبادل الابتسامات، لا بتبادل اللكمات".
تعقيبًا على الجلسة التفاوضية الأولى للبحث في آليات تنفيذ البند الأول، "بدا وكأن الأضواء أطفئت داخل القاعة". قالت "الواشنطن بوست": "إذا كان الهدف من الجلسة بلورة نظرة أو مفهوم لبناء العلاقات بين واشنطن وطهران، فهل يمكن أن تجري المحادثات من وراء الجدران، في حين أن الساعات الأولى تقتضي القيام بالخطوة الأولى نحو بناء الثقة؟"، لترى الصحيفة في "المفاوضات غير المباشرة" نوعًا من الهرطقة الدبلوماسية، "لكأنه التراشق بالحجارة من فوق السطوح".
غداة حرب حزيران 1967، سأل المستشرق الفرنسي جاك بيرك: متى يخرج الشرق الأوسط من "ثقافة الألم"؟
ليبدو اليوم ذلك التماهي الأيديولوجي - الأبدي - مع ثقافة الألم، بعدما كان المفكر الجزائري محمد أركون قد قال: "لكأن الخروج من عباءة الألم خروج من الذات وعلى الذات". ولنذكر قول الباحث المصري (الناصري) حسن نافعة: "علينا أن نعلم أن صناعة التاريخ ينبغي أن تكون بالطريقة التي تتم بها صناعة الحياة".
انفجار المشهد الشرق أوسطي لا يمكن أن يكون لمصلحة أحد، بعدما أظهرت الحروب الأخيرة البعد الكارثي للتداعيات على كل مناحي الحياة، في ظل الاختلال التراجيدي في موازين القوى. لا مجال إلا للتخلي الفوري عن "استراتيجية المستنقعات"، إذا ما تأملنا بانوراميًا بما يحدث في الميدان، وما وراء الميدان. ولكن من يتوقع "خروج الشيطان من رأس بنيامين نتنياهو"، الذي يفكر في الاشتراك بضرب إيران، ما يمكن أن يفضي إلى تفجير الجبهة اللبنانية، لنكون ثانية أمام النكبة الكبرى.
هنا الرهان على موقف الرئيس دونالد ترامب، الذي لا نتصور، في حال من الأحوال، أنه يريد توسيع حجم الصراع ليصل إلى لبنان المثقل بالدم وبالخراب، خصوصًا بعد تصريحات نائب الرئيس جي دي فانس، التي أظهرت مدى الفجوة بين النظرة الأميركية والنظرة الإسرائيلية للوضع الشرق أوسطي، ومع رهان الرئيس اللبناني على أن يعود، بعد لقائه مع نظيره الأميركي في البيت الأبيض، بشيء ما يقي لبنان من أي حرب مقبلة، ويعد بانسحاب إسرائيلي شامل.
ولكن حين يكون كل شيء وقفًا على انتظار النتائج التي تأتي بها صناديق الاقتراع، قد لا نستبعد أن تدخل النار حتى من ثقب الباب. الآن الكلمة الأولى والأخيرة لترامب، والتي لا بد أن تصل إلى أذني ضيفه اللبناني. لعلها بردًا وسلامًا... أم ماذا؟!

