ندى أندراوس - خاصّ الأفضل نيوز
قبل أن يدخل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون المكتب البيضاوي للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بدأت زيارته إلى واشنطن تنتج أولى مفاعيلها على الأرض. فالولايات المتحدة أعلنت رسمياً انطلاق عمليات المناطق التجريبية في مرحلتها الأولى والتي تشمل دخول الجيش اللبناني والانسحاب الإسرائيلي من فرون وصريفا وزوطر الغربية، في خطوة تنقل الاتفاق الإطاري، للمرة الأولى، من المفاوضات إلى الاختبار الميداني.
الجيش اللبناني موجود أساساً في فرون وصريفا، فيما تجري الترتيبات لانتشاره في زوطر الغربية بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي.
هذا التطور يكتسب أهميته لأنه جاء فيما كان عون في واشنطن، وبعد لقائه وزير الخارجية ماركو روبيو، حيث شدد الرئيس اللبناني على أن البداية يجب أن تكون بانسحاب إسرائيلي فعلي من المنطقة النموذجية الأولى، مقروناً بتعزيز الدعم الأميركي للجيش. وفي المقابل، أكد روبيو التزام بلاده تنفيذ إطار العمل الثلاثي ودعم سلطة الدولة اللبنانية، في مؤشر إلى أن واشنطن تريد دفع المسار من مرحلة التفاهمات النظرية إلى التنفيذ الميداني.
المسألة، إذاً، تتجاوز انتشاراً عسكرياً محدوداً. فدخول زوطر الغربية ضمن المناطق التجريبية يحمل دلالة سياسية خاصة لوقوعها شمال الليطاني. وهنا تبدأ العقدة التي كانت مصادر عسكرية ومطلعة قد حذرت منها: نجاح نموذج يقوم على انسحاب إسرائيل، ودخول الجيش، وحصرية السلاح بيد الدولة، يمكن أن يفتح الباب أمام تمدده إلى مناطق أخرى، من أرنون إلى محيط النبطية الفوقا.
وعندها يصبح حزب الله أمام معادلة أكثر صعوبة. فإذا كان انتشار الجيش يواكب تحرير الأرض، فسيضيق هامش الاعتراض على توسيع سلطة الدولة بذريعة الحفاظ على السلاح. وبذلك تتحول المناطق التجريبية تدريجياً من إجراء أمني محدود إلى أداة لإعادة رسم معادلة السلاح شمال الليطاني.
الهدف الأميركي، وفق ما يظهر حتى الآن، لا يقف عند فرون وصريفا وزوطر الغربية. المطلوب اختبار نموذج يمكن تعميمه: انسحاب إسرائيلي تدريجي، انتشار متقدم للجيش، وتوسيع لسلطة الدولة بما يقود لاحقاً إلى معالجة ملف سلاح حزب الله وتقليص مساحة النفوذ الإيراني في القرار اللبناني. ولهذا، ترتبط الخطة الأميركية أيضاً بتعزيز قدرات الجيش، لوجستياً وعملياتياً ومالياً، كي يكون قادراً على ملء أي فراغ ينشأ عن الانسحاب الإسرائيلي.
وبحسب ما نقلته مصادر أميركية لـ«الأفضل نيوز» عن أجواء لقاءات عون في واشنطن، فإن ما تحقق حتى الآن يعد إيجابياً لجهة تثبيت أولوية دعم الجيش ودفع مسار المناطق التجريبية إلى التنفيذ، فيما يبقى الرهان الأكبر على ما سيحمله لقاء ترامب من التزامات أكثر وضوحاً تجاه الضغط على إسرائيل.
وهذا يعني أن عون يصل إلى لقائه مع الرئيس الأميركي وقد تحقق جزء من المطلب الذي حمله معه: بدء التنفيذ، ولو في نطاق محدود. لكن الأصعب يبدأ الآن، لأن نجاح الزيارة لن يقاس بثلاث بلدات فقط، بل بقدرة رئيس الجمهورية على تحويل هذه الخطوة إلى مسار مستمر للانسحاب الإسرائيلي وتوسيع انتشار الجيش.
فإذا نجحت التجربة الأولى، لن تكون الدولة قد استعادت مجرد قرى أو نقاط جغرافية، بل تكون قد بدأت عملياً بتغيير المعادلة التي حكمت لبنان منذ سنوات: أرض محتلة تبرر بقاء السلاح، وسلاح يحتفظ بدوره تحت عنوان مقاومة الاحتلال.
ومع كل انسحاب إسرائيلي يقابله انتشار للجيش، ستتراجع هذه المعادلة خطوة إضافية، وسيصبح السؤال عن وظيفة السلاح أكثر إلحاحاً من السؤال عن مكان وجوده.
لكن الأبعد من الداخل اللبناني أن سلاح حزب الله جزء من شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها إيران واستخدمتها كورقة قوة في صراعها ومفاوضاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن هنا، فإن توسيع سلطة الجيش واستعادة الدولة للأرض لا يضيّقان فقط هامش الحركة أمام حزب الله، بل يمسان تدريجياً واحدة من أهم أوراق طهران في المنطقة.
لذلك، قد تكون المناطق التجريبية أصغر حجماً من أن تبدو تحولاً استراتيجياً، لكنها تحمل في جوهرها بداية اختبار أكبر: هل ينتقل لبنان من ساحة تُدار فيها موازين القوة الإقليمية عبر السلاح إلى دولة تستعيد قرارها وحدودها بالتدرج؟ وهل تسمح إيران بأن تفقد ورقة راكمتها على مدى عقود، أم تتحول معركة السلاح إلى جزء من المساومة الإقليمية الكبرى المقبلة؟

